AlterNet.org
NYT
الجزيرة نت
Haaretz.com
Search
٢٦/١١/٢٠١١
لا أحبّ فيروز
أقول لنفسي إنني لم أكن على هذه الحال من قبل..ماذا جرى؟ كيف أصبحت هكذا؟...أبحث أبحث فأجد، لكن فهم السبب لا يبطل إلا العجب، أما الواقع فلا يكفي فهمه لإبطاله. وأنا أريد العودة إلى واقعي القديم، عندما كنت مثل أي لبناني طبيعي، في الغربة أو على أرض الوطن الغالي العزيز اللذيذ..عندما كنت...أحبّ فيروز.
يومها قررت أن أعالج إدماني، أن أواجهه. وبما أنني كنت حينها أعاقر مليار نوع من الإدمان، قررت أن أبدأ بالكلمات. الكلمات التي اعتدت على تكرار استخدامها دون غيرها، محوتها واحدة تلو الأخرى. لأنها لم تكن منّي، كانت مما دخل في أذني من قبل، عندما كنت لا أمتلك قدرة اختيار ما يدخل أذني وما أمنعه من الدخول. غريب التشابه بين الأفكار على عتبة أذن، والمصطفين على باب ناد ليلي للرقص، عليهم أن يجتازوا عتبة الغوريلا المنتفخة، حارس المعبد، من يمتلك سلطة الصدّ والقبول...
المهم...بعد الكلمات، جاء دور المفاهيم....هل أفهم من إعلانها حبها لي، ما أفهمه أنا عن معنى الحب، أو ما تفهمه حي؟ حتى الله، مفهوم. مصطلح. أعدت القراءة بالكلمات الجديدة، ففهمت أن المعاني احتمالات لا ثوابت...وحين تسقط المفاهيم، تسقط الانتماءات الضيقة..والانتماء ذوق. والذوق في كلّ شيء، من لون السماء في منتصف الخريف إلى شكل الرمز المقدس. مرورا بفيروز.
عندما تتعرى من الانتماءات، تبرد ذاتك، حتى ترتجف الأنا. ترتجف حتى يتوقف قلبها. عندها تخرج من الأنا، فتبني أول جسر مع الكلّ.
أريد أن أحب فيروز، ولكنّ هذا يعني أن أعود إلى الأنا، وأبحث في انتماءات خلعتها عن مبرّر لحبّ شيء، لم أذكر أنني اخترت يوماً أن أحبّه....
لا...سأبقى على حالي...وأصبر...والله مع الصابرين.
١١/١١/٢٠١١
حفلة في الحرم
الملايين الملايين. حول كعبة تعلوها مكبرات الصوت العملاقة. رداؤها الأسود تحوّل إلى شاشات عملاقة تبث صورا من شوارع غزة والقاهرة وبغداد وحمص ومراكش وتونس وبيروت والجزائر وكل بلاد العرب، للحشود المشاركة عبر البحار في هذا الحدث العملاق. حدث انتصار الثورة العربية. من القدس إلى مكة. كان آخر خط مستقيم في سقوط الأصنام. بعد إعلان الدولة الفلسطينية على كامل التراب من البحر إلى النهر، توجهت أمواج الثورة العاتية لتحتفل بانتصارها في مكة المحررة من كل من أسرها يوما.
الموسيقى هي العنوان. وفي يوم الاحتفال بالثورة، اجتمع من العرب أفضل الثائرين في موسيقاهم، بالإبداع والتفاعل. الحشود هنا من كل بقاع الأرض لاحياء انتصار الثورة التي أسقطت معها معابد الذهب. لا سلاح هنا. ولا بطاقات هوية. لباس الحفلة الأبيض. أفواج من الأجساد المتراقصة مع الايقاعات التي تخرج من المكبرات السوداء مزلزلة جدران الجبال والتلال المحيطة. الابتسامات، لا غيرها على الوجوه.
سمار البشرة العربية يطغى على خريطة النساء حول الكعبة العربية في هذه الليلة المكتملة البدر. عيون سوداء، ينحبس الضوء بين جفن الناظر إليها وعمقها. أجساد تخطف الموسيقى من أذنيك إلى تماوج تضاريسها. هذه بنت النوبة، وتلك بنت حلب. هذه بنت اليمن، وتلك بنت وهران. هذه بنت الحجاز وتلك بنت الكاف. هذه بنت نواكشوط وتلك بنت رام الله.
منام سعيد. حلم أبني من فوقه حياة.
٠٣/١١/٢٠١١
الأنبياء الغرباء
قطّع الصورة:
عبقرية الأنبياء في تفاهة "الكفار". محمد في قريش، عيسى في اليهود، موسى في دولة فرعون، نوح في قومه، لوط في قومه، وكلهم بلا استثناء، مرايا ما يحيط بهم.
لو لم تكن سدوم وعمورة ممتلئتين ب"الفواحش" و"الخطايا"، لما كان لوط في قومه نبيا.
لو لم يكن من طوفان ينتقم من "الذين عاثوا في الأرض فسادا"، لما كان نوح وسفينته.
لو لم يكن العرب قبائل تتناحر في ما بينها وتخدم أسيادها من روم وفرس، لو لم يكن سادة قريش من عبيد الدرهم والنبيذ والجنس، ظلّام الفقراء والمساكين، لما كان محمد موحّد العرب، تارك الخمرة، الزاهد في أمور الدنيا (إلا الجنس...معليش)، المنصف للفقراء، الذي حوّل عبداُ اسمه بلال إلى "صوت الأمة"، "مؤذن النبي".
كلهم، هؤلاء الأنبياء، كانوا يحسون بغربة في محيطهم، كلهم كانوا يتكلمون عن اقتراب "اليوم الآخر" و"نهاية العالم" والجنة والنار. منهم من أبدع في السياسة فقاد "أمته"، ومنهم من حمى نفسه بالعشق ف"تغلب على الموت"، أو تصالح مع الانتحار. منهم أيضا من لجأ إلى الطبيعة بنباتها وحيوانها، حتى ألفها وألفته، وأيضا من شغل جسده بالمرض فأراح عقله.
موسى، عيسى ومحمد. هؤلاء الثلاثة تجمعهم تجربة مشتركة، الوحدة في الصحراء. بل هي حتى نفس الصحراء إذا اخذنا في الاعتبار امتداد الجزيرة العربية.
الآن ألصق الأجزاء حسب خطوط المنطق:
لغربة الإنسان بين قومه، شرط لا تقوم من دونه: أن يكون قد شكّل لنفسه وعياً مختلفاّ عن الوعي الجماعي المحيط به. في حالة أصدقائنا الأنبياء، كان هذا الوعي مرتبطا دائما ببعد فلسفي، بإحساس دفين بتفاهة الحياة، بإحباط سحيق، حتى أن منهم من أمضى حياته باحثا عن الموت فقال خلال بحثه جملا لعوبا بقيت في ذاكرة الناس. في حالة البعض تحوّل اختلاف الوعي عن الجماعة إلى جنون العظمة أو ال"ميغالومانيا"، وفي بعض الأحيان في ظل المعادلة الاجتماعية المناسبة، تمكن هؤلاء من تجسيد جنونهم بالعظمة والوصول إلى سدة القيادة فعلا، فبدأ هناك الامتحان الحقيقي وأثبتت تركتهم السياسية أنها أغزر بكثير من موروثاتهم الأخلاقية.
المهمّ أن النبي غريب، وأنا أعرف كيف يكون الغرباء، خرجوا عن رؤية "الواقع الواحد"، وحرروا أنفسهم من المتعارف عليه، ليطلقوا العنان لسوريالية شاعرية فلسفية عاطفية تأسر العقول والألباب. أنا أعرف غرباء بين قومي، قد أخذتهم الغربة إلى واقع جديد ترفرف فيه أجنحة الملائكة وتشّع وجوه "الأتقياء" فيه بأنوار لا تراها سوى "عين المؤمن". هم يروها، وأنت لا تراها، "لأنك لم تدرك بعد"، ثم يبتسمون في وجهك ابتسامة بلهاء ويدعونك إلى "صدر الايمان". لا يفاجئني ذلك! أنا أعلم أن العقل قادر على خلق عوالم لا تنتهي، إذا ما قام بخطوة الخروج عن العالم المتعارف عليه. العباقرة بين هؤلاء الغرباء، من يمدون جسرا بين عوالم غربتهم والواقع كما يعيشه قومهم، فيفتحون أبوابا للمتألمين في الداخل المألوف. إذا كثر المتألمون، يصير الغريب نبيا.
لكن القوم لم ينسوا أنه غريب. صار نبيا، نعم. لكنه بقي غريبا. لذلك ومهما قلنا فيه المدائح والصلوات، وأخذنا عنه الكلام وأعدنا إليه السلام، فسنمرّغ أنفه في كلّ بقعة من قذارتنا، وسنزّج لحيته في كلّ غباء من جهالتنا، وسنرسم وجهه بالدماء على أنصال سيوف نقتل فيها بغير حقّ. كلّ نبيّ سنقدسه، سنمجده، سنخلع عنه صفات البشر...عندها نحنّطه، نعلقه تمثالا في الوزارات والدوائر الرسمية، نحرك شفتيه، ونقول ما نريد. نعلّق اسمه على الجدران، لنحكم باسمه. وهو...عاش غريبا ومات غريبا.
٣١/١٠/٢٠١١
عزيزتي المستترة...لا هروب منّي
عزيزتي المستترة،
ترى كيف ينسكب ستارك على كتفيك وأنت تمارسين طقوس اللذة وحيدة على سريرك الضيّق في غرفتك المظلمة؟ اعذري سؤالي ولكنني أريد أن اعرف: هل يحوّل غطاء الرأس خارطة اللذة في الجسد؟ حجابك على رأسك (وعراسي)، والثياب الفضفاضة تمحو في العين حدود جسدك وتتركها للمتخيلين بلا حدود. أود أن أقول إننا نحن الرجال ثلاثة أنواع في النظر إلى جسد الأنوثة. إما شاعر يعشق الجسد كيفما توارى ويراه بالعقل قبل العين، أو مستهلك يبحث عن الصورة لتخزينها في سجلات شبقه، يستعيدها عندما يخون الواقع حاجة تتحكم فيه، أو "غاض النظر" الذي يخاف جسد الأنثى، بل يخاف كلّ شيء.
من تفضلين؟ هل تريدين الهارب الخائف؟ أم الحالم الذي يتوضأ من نفسه ألف مرة ويخلع نعليه وجلده قبل الولوج في معبدك القدسي؟ أما المستهلك فلا أظنك تريدين منحه فرصة اختزالك في صورة، وإلا فلما تستترين؟ إذا أنت تستترين له، تحجبين نفسك عن عيونه المتسخة. تنصبينه نموذج الرجال وتفصلين ثوبك على قياس روحه النحيلة. كل ذلك وأنت كما أنت. والحال هي الحال.
ألا يرتعش قلبك وتتسارع الدماء في شرايينك عندما تبصرين أو تسمعين أو تلمسين أو تغازل أنفك عطور رجل يملأ أنوثتك، أو يفرغها من امتلاء يخنقها؟ لماذا تستترين إذن؟
ستقولين إنه أمر الله. سأجيبك: نقلها عن الله رجل، وفسّرها من بعده رجل، وأفتى بها من بعدهما رجل. رجال هم أو يسمون كذلك لأن لهم أفعى لا تهدأ بين الفخذين، وعدوا أنفسهم بحسناوات في الجنة. وأنت بماذا وعدوك؟
ستقولين: أتريدني أن أتشبه بالعاريات البائعات لأجسادهن الغارقات في الصورة والمغرقات فيها؟ سأجيبك: هنّ يسترن أرواحهن وأنت تسترين الجسد. هنّ يغرقن في الصورة وأنت في عدمها. ومقامات الأشياء في جواهر معانيها لا في أشكالها. وهل أنت بما في قلبك وعقلك ستكونين من تلك الفئة إذا سقط عنك التكليف الشرعي بالحجاب؟ إذا كان كذلك فاستتارك نفاق، وإن لم يكن كذلك فاستتارك تقليد وخضوع.
على كل حال، أنا شخصيا مثال على عدم جدوى ستارك. إن بقي ظاهرا منك رمش عين، فسأرسم من الرمش جسدا وروحا وقصصا لا تنتهي، أبطالها إحساسك وأفكارك وألوان خيالاتك. وإن لم يظهر منك غير خيارك الاتشاح بالسواد، فسأبدأ من هذا الخيار، لأبني فوقه أطيافا من ملاعب لذتك، وشوارع اختلاجاتك.
لا هروب منّي.
٣٠/١٠/٢٠١١
المتدينون في النار
الآدمي في دنياه توّاق إلى النار، لا يفلت من جاذبية الاحتراق والذوبان. فإن لم يجعل لنفسه مصباح نور لا يبلغ إلا بالكمال، فقدها قبل أوانها لأول شعلة تبدّت لناظريه. ومن هنا، ضرورة الشوق إلى الله، لا من منطلق استيفاء شروط العبادة في شكلها التشريعي كما يقول الفقهاء، ولا في منهج استنساب الإيمان الذي يسلكه المتكلمون، ولا حتى من مبدأ إدراك الحقائق بالبرهان كما يسعى الفلاسفة. لأن الشوق بذاته غاية ضامنة للعلوّ عن مكامن "الخطيئة" الوحيدة، خطيئة الاستغناء عن كليّة الحقّ، بجزئية النسبة إليه في صورة تجلّ محدودة بكونها صورة، مهما كانت حدود التجريد متسعة للصفات.
وفي سلوك المصباح الإلهي الكامل مقصدا، بلاء عظيم، أوله أنه لا يقوم إلا بالشوق وآخره أن المشتاق يدرك اختياره للشوق الدائم سبيلا إلى الخلاص. فإذا تكالبت عليه الذلّة والمسكنة، راوده عقله عن شوقه وزاد إلى لوعة شوقه علمه باختياره الشوق. لذلك، فإن الإسلام للحقيقة الإلهية، لا يقوم إذا كان مفهومها موضوع التسليم، نسبة لا كلّ، بل يقوم فقط إذا كان الإسلام لكليّة الكمال الإلهي، بمعنى أنه واق من الشكّ عبر إحالة خيار الشوق إلى بنية الوجود. فتتخذّ الذات الإلهية بذلك وظيفتين مكملتين لبعضهما بعضا: الكمال المنشود وقاية من انزلاق النفس إلى الحقائق الجزئية جوهرا، والسببية الكونية التي يضمن التسليم بأحقيتها موازنة الشكّ باليقين.
لذلك أقول أن التديّن كما نراه في مجتمعاتنا العربية، بأغلبيتها الساحقة، كفر عظيم. وكلمة الكفر في اللغة العربية، تعني "ستر النعمة"، والنعمة في معناها الكلّي هي الوجود، إذن فالكفر بالمعنى الكلّي هو ستر الوجود بكليته، أي الامتناع عن النظر إلى كل ما في الوجود، والاحتماء وراء حدود ما. في حالة التدّين الاجتماعي الذي نراه من حولنا، يكون الكفر في الاحتماء وراء حدود ما يسمى بالمحرمات والمحللات، والفتاوى والتشريعات، والخوف من النار والطمع في الجنة، لستر نعمة الوجود بحد ذاته عن العين والقلب والعقل، وستر النفس عن حقائق الوجود. الكفر ستر، هو الظلام إذن. وكل جهل ظلام. وكل امتناع عن السؤال جهل.
إذا المتدينون في النار.....هههههههههههههههههههههههههههه
الله والثورة والعميان
"اللهم أرني الأشياء كما هي عياناً" - دعاء للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي
خبرت القرآن حتى أحسست أن أحداً لم يقرأه قبلي، إلا كاتبه. أو لعلّني حمّلته ما رأى عقلي قبل اكتشافه. لن أدري، ولن يدري أحد. لأن العين أسيرة لونها، لأن الذي يأبى إلا أن يسأل ويسائل، غريب أينما حلّ. والثائر كذلك. فالثورة ليست حدثا سياسيا. الثورة بحث عن الرؤية خلف الحجب التي كنا نراها ونرضى بها خضوعا لحتمية الواقع، خوفا من استحالة المعرفة. وكلما أمطنا لثاما، واجهتنا مسافة جديدة، بين إحقاق الحقّ وبيننا.
شيخ قد استقى من مشرب حكمة الموحدين قال لي يوما إن الباطن عندما يدرَك، يصبح ظاهرا، ويستدعي باطنُه شوقَ المريد. هنا فهمت معنى حلم كان يراودني أرى فيه تشي غيفارا بالجبّة والدستار يفتل فتل دراويش المولوية. يد تصله بالسماء وأخرى بالتراب. عين يحطم فيها الله الموتَ، وأخرى يحطّم فيها الإنسان أصنام الجهالة والظلم. أما الموت ففي كل زاوية، وأما الأصنام فدمى روسية لا تنتهي.
"أشكال الحياة البدائية ما زالت موجودة على الأرض. هذا يعني أن جمود الحياة لم يكن مستحيلا. لكنها اختارت أن تمشي" - الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون
كلما كاد رأسي ينفجر، علمت أنها لحظة الرهان، رهان المغامر في المعرفة: إما الجنون الصريح، أو الانتقال إلى كون جديد على متن شرارة الفكرة. الجذع لا يلد شجرة إلا إذا تفرّع. لا يصبح واحدا إلا إذا تعدّد. خياري الوحيد: أن أكون. لذلك فإن عدوي ليس من يختلف عني، عدوّي من يعمل على بتر احتمالات تفرّعي، من يجبرني بالعنف على استنساخ أجوبته عن كل الأسئلة. معه المعركة مطلقة، لا شعر فيها ولا تردد فلسفي.
"أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض".. هو إذن عدوي بمطلق العداوة، فمسلمة وجوده الأولى نفي وجودي. "إما أنا أو الفوضى".. هو أيضا عدوي بمطلق العداوة، فركيزة استمراريته الأولى وأد احتمالاتي. لا أحلم بفلسطين جنة على الأرض، بل أريد خياراتها لها. ولا أمنّي النفس بأوطان الـ"يوتوبيا"، بل أمنيها بأوطان تمارس الشكّ سبيلا دائما للحق.
"ان أهل الحق موقنون أن الحق وحده يشفي وأنه يجب أن ينتقل من كيان إلى كيان بالشهادة، والشهادة تحديدا نقيض المساومة، لأن للشهادة مرجعية هي الحقيقة نفسها، في حين أن المساومة ترتيب بشري، عقلي للخروج بعلاقة ممكنة" - المطران جورج خضر
هي وهو. إذا كان ما يجمعهما بحث عن راحة في مؤسسة العلاقة، فمذكرة تفاهم لتبادل المصالح، ويبقى هو، وتبقى هي. أما إذا كان عهدهما شهادة بحقيقة المحبة، فلا آخر في المعادلة، ولا هي ولا هو.
المجتمع الذي خرج من حروب أبنائه، فتجاهل الشهادة بحقيقتها، إلى التفاوض على نوع الكذبة التي سنتفق على التسليم بها، ينتج رجالا لا يحلمون فلا يعشقون، ونساءً لا يُعشقن فلا يحلمن. يورثون أبناءهم صلافة القلب وإنكار الهوى، فيفتر كل شيء، ويصبح الوطن مصنع أفراد.
قاوم بالعشق إذن، أبقِ على وطني حيّا في جمرة قلبك، في كتلة حبّ تكبر حتى تصبح ثورة.
خبرت القرآن حتى أحسست أن أحداً لم يقرأه قبلي، إلا كاتبه. أو لعلّني حمّلته ما رأى عقلي قبل اكتشافه. لن أدري، ولن يدري أحد. لأن العين أسيرة لونها، لأن الذي يأبى إلا أن يسأل ويسائل، غريب أينما حلّ. والثائر كذلك. فالثورة ليست حدثا سياسيا. الثورة بحث عن الرؤية خلف الحجب التي كنا نراها ونرضى بها خضوعا لحتمية الواقع، خوفا من استحالة المعرفة. وكلما أمطنا لثاما، واجهتنا مسافة جديدة، بين إحقاق الحقّ وبيننا.
شيخ قد استقى من مشرب حكمة الموحدين قال لي يوما إن الباطن عندما يدرَك، يصبح ظاهرا، ويستدعي باطنُه شوقَ المريد. هنا فهمت معنى حلم كان يراودني أرى فيه تشي غيفارا بالجبّة والدستار يفتل فتل دراويش المولوية. يد تصله بالسماء وأخرى بالتراب. عين يحطم فيها الله الموتَ، وأخرى يحطّم فيها الإنسان أصنام الجهالة والظلم. أما الموت ففي كل زاوية، وأما الأصنام فدمى روسية لا تنتهي.
"أشكال الحياة البدائية ما زالت موجودة على الأرض. هذا يعني أن جمود الحياة لم يكن مستحيلا. لكنها اختارت أن تمشي" - الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون
كلما كاد رأسي ينفجر، علمت أنها لحظة الرهان، رهان المغامر في المعرفة: إما الجنون الصريح، أو الانتقال إلى كون جديد على متن شرارة الفكرة. الجذع لا يلد شجرة إلا إذا تفرّع. لا يصبح واحدا إلا إذا تعدّد. خياري الوحيد: أن أكون. لذلك فإن عدوي ليس من يختلف عني، عدوّي من يعمل على بتر احتمالات تفرّعي، من يجبرني بالعنف على استنساخ أجوبته عن كل الأسئلة. معه المعركة مطلقة، لا شعر فيها ولا تردد فلسفي.
"أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض".. هو إذن عدوي بمطلق العداوة، فمسلمة وجوده الأولى نفي وجودي. "إما أنا أو الفوضى".. هو أيضا عدوي بمطلق العداوة، فركيزة استمراريته الأولى وأد احتمالاتي. لا أحلم بفلسطين جنة على الأرض، بل أريد خياراتها لها. ولا أمنّي النفس بأوطان الـ"يوتوبيا"، بل أمنيها بأوطان تمارس الشكّ سبيلا دائما للحق.
"ان أهل الحق موقنون أن الحق وحده يشفي وأنه يجب أن ينتقل من كيان إلى كيان بالشهادة، والشهادة تحديدا نقيض المساومة، لأن للشهادة مرجعية هي الحقيقة نفسها، في حين أن المساومة ترتيب بشري، عقلي للخروج بعلاقة ممكنة" - المطران جورج خضر
هي وهو. إذا كان ما يجمعهما بحث عن راحة في مؤسسة العلاقة، فمذكرة تفاهم لتبادل المصالح، ويبقى هو، وتبقى هي. أما إذا كان عهدهما شهادة بحقيقة المحبة، فلا آخر في المعادلة، ولا هي ولا هو.
المجتمع الذي خرج من حروب أبنائه، فتجاهل الشهادة بحقيقتها، إلى التفاوض على نوع الكذبة التي سنتفق على التسليم بها، ينتج رجالا لا يحلمون فلا يعشقون، ونساءً لا يُعشقن فلا يحلمن. يورثون أبناءهم صلافة القلب وإنكار الهوى، فيفتر كل شيء، ويصبح الوطن مصنع أفراد.
قاوم بالعشق إذن، أبقِ على وطني حيّا في جمرة قلبك، في كتلة حبّ تكبر حتى تصبح ثورة.
٠٢/٠٩/٢٠١١
كفاح البحرينيين...تحت حصار الصمت
كتب مازن السيّد في "السفير":
في 17 شباط 2011 انطلقت «الثورة الليبية»، وفي 21 آب 2011 دخل الثوار العاصمة طرابلس، بغطاء عسكري من حلف شمال الأطلسي الذي جنّد الطائرات والسفن والأجهزة الاستخباراتية لمقارعة نظام معمر القذافي... في 14 شباط 2011 انطلقت «الثورة البحرينية»، على بعد كيلومترات قليلة من مقر الأسطول الأميركي الخامس، فقوبلت بدخول القوات السعودية إلى البلاد وسحق الاحتجاجات بأدوات أمنية وعسكرية واستخباراتية، لم توفر دور العبادة ولا الشيوخ والنساء.
بعد 6 أشهر، يقف البحرينيون على واقع أمني متدهور، يشهد مواجهات أمنية بين قوات النظام و«بلطجيته» من جهة، ومتظاهرين شبّان يصرّون على أحقية مطالبهم، من جهة ثانية. الملك حمد بن عيسى آل خليفة يعلن عفوه عن بعض المعتقلين، فيما يحاكم الأطباء والممرضين أمام القضاء «الأمني» لمشاركتهم بطريقة أو بأخرى في فعاليات الحراك الشعبي. النظام يتحدث عن نتائج «حوار» أعدّه و«إصلاحات» مقبلة، فيما ترفض المعارضة الحزبية شرعية هذا «الحوار» وتقاطع الانتخابات. همّشت القضية البحرينية توافقياً من قبل منابر الإعلام الكبرى، لكن صنّاع الثورة لم يرفعوا الراية البيضاء بعد.
خطاب الملك... والواقع
في كلمة ألقاها أمس الأول، لمناسبة العشر الأواخر من شهر رمضان قال الملك حمد إن «الالتقاء ونبذ الفرقة بين أبناء الشعب الواحد من العادات الحميدة التي ينبغي أن تستمر دائماً وأبداً». وأضاف «بودنا الإشادة بتوافقكم على مرئيات الحوار الوطني الذي يبشر بمستقبل زاهر لوطننا العزيز، وإن ما توافقتم عليه نحو مزيد من الإصلاح هو محل التقدير والترحيب والتأييد».
لكنّه من الواضح أن «الحوار» الذي أشار إليه الملك، لم ينتج من أية عملية توافقية بين المعارضة بشقيها الحزبي الممثّل والعفوي الشعبي، والسلطة. فجمعية «الوفاق» التي تشكل أكبر جمعية معارضة في البحرين، انسحبت من هذا «الحوار»، الذي «وصفته بمنتدى الحوار»، حسبما يقول المتحدث باسم «المعارضة البحرينية في الخارج» ابراهيم المدهون لـ«السفير»، وهو العضو السابق في شورى جمعية «الوفاق». ويوضح المدهون أن «الحوار لم يكن حوارا، فالمعارضة كانت ممثلة بأقل من 10 في المئة من المشاركين في هذا المنتدى».
ويأسف المدهون لأن «الملك لم يتعرض في خطابه إلى مشكلة البحرين»، في إشارة إلى تجاهل الملك للخلاف المتواصل حول قضايا أساسية. ويتابع قائلا إن «الحل في البحرين سياسي لا أمني، يكون باحترام نتائج استفتاء العام 2001 الذي جاءت نتائجه بنسبة 98.4 في المئة لمصلحة جعل الشعب مصدر السلطات، ومنحه حق اختيار الحكومة، وصلاحيات المراقبة والتشريع». كما يشير المدهون إلى قضايا التجنيس، والتقسيمات الانتخابية «التي تمثّل الدائرة الأولى حاليا بنائب واحد، فيما تمثّل الدائرة السادسة التي تتمتع بالحجم السكاني نفسه تقريبا بـ10 نواب».
وقال الملك أيضا «نود ان نؤكد اننا لا نتطلع الى محاكمة الجميع، فهناك من اتهموا بالإساءة لشخصنا ولرجال المملكة ونحن في هذا اليوم نصفح عنهم». وأضاف «ورغم اننا لا نرغب في التدخل في سير العدالة وتطبيق القانون إلا اننا نؤكد ان جميع قضايا المدنيين سيصدر الحكم النهائي فيها في محاكم مدنية».
لكن، قبل ساعات من خطاب الملك، كانت محكمة أمنية خاصة، منبثقة عن حالة الطوارئ التي قد رفعت رسميا منذ أشهر، تواصل مقاضاة 20 طبيبا وممرضا بتهم الارتباط بالاحتجاجات المعارضة. وأجلت المحكمة البت في القضية مرة أخرى إلى جلسة في 7 أيلول المقبل، حيث ستبدأ بعد أشهر طويلة بالاستماع إلى شهود الدفاع. كما تشير صحيفة «هافينغتون بوست» الأميركية إلى غموض في استخدام الملك مصطلح «القضايا المدنية» التي وعد بنقل الحكم النهائي فيها إلى المحاكم المدنية، إذ «ليس واضحا ما هي القضايا التي ستبقى ضمن صلاحيات محاكم الطوارئ الأمنية».
ولعلّ أبرز ما يتجاهله الملك في حديثه عن «التوافق» و«الالتقاء»، هو الواقع الأمني على الأرض الذي يصفه المدهون بـ«المزري»، فيما تعتبر ناشطة بحرينية في حديث مع «السفير» أنه «أسوأ من واقع التسعينيات»، مشيرة إلى «حواجز أمنية مكثفة في كل المناطق، تتعرض بالإهانات إلى المواطنين والشيعة منهم خاصة».
والواقع أن شباب «الثورة البحرينية» ما زالوا على اختيارهم الشارع ساحة أساسية للدفع بمطالبهم بالتظاهر السلمي. وفي ظل تعتيم إعلامي مطبق على مجريات الامور، توثّق الشرائط المصورة على شبكة الانترنت لمواجهات أمنية بين هؤلاء الشباب والقوات الأمنية يؤازرها «البلطجية»، تستخدم فيها قنابل الغاز المسيل للدموع، وبنادق «الشوزن» الفتاكة، والهراوات والعصي. وشهدت مناطق عديدة يوم أمس مواجهات كهذه، بحسب مصادر عديدة، أكدت تعرض مسيرة حاشدة في جزيرة سترة لقمع القوى الأمنية وقنابل الغاز، إضافة إلى اشتباكات مماثلة في كرانه وسماهيج والدير والمصلى والدراز وغيرها. ووثّقت صور عديدة أيضا لاستعانة النظام بمرتزقة أو «بلطجية» بلباس مدنيّ يحملون الهراوات والعصي ويعتدون بها على المتظاهرين المعارضين.
ويدعو «ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير» مساء اليوم إلى «أكبر وأوسع حضور في فعالية حق العودة إلى ميدان الشهداء»، التي من المفترض أن تنطلق من قرى الدية والسنابس وكرباباد.
المؤشرات الخارجية
يقول المدهون لـ«السفير» إن «مطالب المعارضة البحرينية هي بحت وطنية. لكنها تقع ضحية التجاذبات الإقليمية، خاصة على مستوى المواجهة الأميركية - الايرانية»، فيما تشير معطيات إقليمية عديدة إلى وجود نوع من توافق ضمني على استباحة حقوق الشعب البحريني والسكوت عن الانتهاكات التي ترتكب بحقه.
فإضافة إلى الدول الخليجية التي ساندت النظام البحريني بشكل متوقع منذ اندلاع الاحتجاجات، وأرسلت قوات «درع الجزيرة» الخليجية لسحق المعارضين أمنيا وعسكريا، أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم منذ دخول القوات الخليجية إلى الأراضي البحرينية «شرعية وجود قوات درع الجزيرة فى البحرين» وقال «ان هذه القوات ليست قوات احتلال بل تأتي في إطار مشروع مشيرا الى أن الاتفاقيات التي أسست درع الجزيرة والاتفاق المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي تشكل الأساس القانوني لوجودها فى البحرين». يذكر أن الملك البحريني أجرى اتصالا أمس بالرئيس السوري بشار الأسد تم خلاله «استعراض الاصلاحات التي تعتزم الجمهورية العربية السورية إطلاقها في إطار مبادرتها للإصلاح والتطوير»، بحسب وكالة الأنباء البحرينية الرسمية «بنا». كما تجدر الإشارة إلى أن دمشق رأت في الموقف البحريني خلال الاجتماع الأخير لوزراء خارجية الجامعة العربية السبت الماضي «موقفا معتدلا» مقارنة بالموقفين القطري والسعودي.
حتى أن الموقف الايراني من أحداث البحرين شهد انكفاء في التواتر وتراجعا في اللهجة، من دعوة الرياض إلى إخراج قواتها من البحرين و«الاتعاظ» من تجربة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في الكويت، إلى تساؤل الرئيس محمود احمدي نجاد في مقابلته مع قناة «المنار»: «ما كانت الحاجة للتدخل السعودي في هذا الامر»؟ داعيا «المملكة السعودية الى اعتبار الشعب البحريني شعبا شقيقا»، ومعتبرا «الحكومة في البحرين والشعب يجب ان يجلسوا بعضهم مع بعض، فتقرير المصير والحرية والعدالة أمر طبيعي في دول العالم... فليتباحثوا في ما بينهم ويتعايشوا مع الشعب ولا يسمحوا لأميركا بأن تتدخل». وتجاهل إمام جمعة طهران حجة الإسلام سيد احمد خاتمي الأسبوع الماضي خلال حديثه عن الثورات العربية، ذكر البحرين، بحسب نص الخطبة الذي أوردته وكالة «مهر» الايرانية للانباء، وأورد فيه ذكر الثورات المصرية والليبية واليمنية والتونسية.
أما موقف أميركا التي تؤوي البحرين أسطولها الخامس، فكان مناوراً بين إظهاره تحفظاً و«أسفاً» على ممارسات القمع ضد الشعب البحريني، ودعمه الضمني للنظام، عبر التغطية على هذه الممارسات، رغم التقارير العديدة الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان وحقوق العمال وغيرها. ولم تتوقف واشنطن مرة عن تأكيد «صداقتها» مع النظام البحريني.
في المقابل، وفي نبأ نقلته وكالة «بلومبرغ» الاميركية إضافة إلى وسائل إعلام روسية عديدة، أشارت جهات روسية وبحرينية إلى صفقات سلاح تعقدها روسيا للمرة الاولى مع النظام البحريني، وتتضمن بنادق رشاشة من نوع «ايه كاي 103» وذخائر بعشرات ملايين الدولارات، كما أكد مصدر قريب من وزارة الدفاع الروسية. وقال المتحدث باسم الحكومة البحرينية عبد العزيز بن مبارك آل خليفة لصحيفة «موسكو تايمز» إن «العلاقة بين روسيا والبحرين تزداد قوة. نتطلع إلى التعاون مع روسيا في التجارة والخدمات التقنية. وأحد مجالات التعاون هو في الأسلحة الخفيفة». ومن جهته أكد المدير التنفيذي لشركة «روسوبورون اكسبورت» الروسية الحكومية لتجارة الأسلحة اناتولي ايسايكين أن البحرين أصبحت زبونا جديدا للسلاح الروسي. يذكر أن فرنسا وبريطانيا علقتا عقود التسليح مع البحرين بعد اندلاع الاحتجاجات في شباط الماضي، وسقوط أكثر من 30 قتيلا مدنيا من المتظاهرين، لكن الموقف الاوروبي بقي عند مستوى «الأسف» للعنف دون أية ضغوط ملموسة على النظام.
الشعب البحريني يواصل نضاله نحو تحقيق مطالبه بالتمثيل السياسي العادل والمساواة الاجتماعية، ويدفع الثمن غاليا بتواطؤ الصمت الذي يدحض ادعاء «المجتمع الدولي» دعمه للشعوب المقهورة. شاشة التلفاز ضاقت بالبحرينيين، لكن ضيق قلوبهم بالقمع أكبر...
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
Blog Archive
-
◄
2011
(17)
- ◄ كانون الأول (1)
- ◄ تشرين الثاني (3)
- ◄ تشرين الأول (3)




