AlterNet.org
NYT
الجزيرة نت
Haaretz.com
Search
١٦/٠٤/٢٠١٣
آيات لأولي الألباب
في سورة البقرة وانطلاقاً من الآية 30، تعترض الملائكة على قرار الله جعل الإنسان
"خليفة" له على الأرض. حجة الملائكة أنه س"يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن
نسبح بحمدك ونقدس لك".
ماذا أجاب الله؟
قال "إنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ"، ولكنه لم يكتف بذلك، رغم
أنه الله. بل اختار أن يقيم عليهم الحجة، بالمنطق، رغم أنه هو الذي خلقهم! فماذا فعل؟
"وَعَلَّمَ آدَمَ
الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء
هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ".
هذا العلم الذي أشار إليه من قبل قائلاً إنه يملكه وهم لا يملكون، نقل على
الأقل جزءاً منه إلى آدم، وفضّله بذلك على الملائكة. هذا الجزء هو علم
"الأسماء"، وليثبت جدوى خلقه للإنسان، أراد أن يظهر للملائكة جهلهم
بالأسماء مقابل علم آدم بها، فسألهم عنها.
أجابوا "سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ
أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ". وأمر آدم بتلقينهم الأسماء، "فلما أنبأهم
بأسمائهم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ". والله بذلك لم يكتف
بتبيين جهل الملائكة بما يعلمه آدم، بل انتظر إلى أن سمعوا هم الأسماء مباشرة من
آدم حتى قال لهم "ألم أقل لكم....".
هنا مباشرةً، قال الله للملائكة "اسجدوا لآدم"!!! طلب الله من الملائكة
أن تسجد للإنسان، وسجدوا فعلاً. "إلا إبليس أبى واستكبر وكان من
الكافرين". وفي المعاجم العربية، ترى كلمة "الكفر" بمعنى
"الجحود" أو بمعنى الحجب والتغطية (كفر الشيء، غطاه). فيصبح من الممكن
هنا الاستنتاج إلى أن كفر إبليس هو ببساطة رفضه الامتثال لخلاصة الحوار السابق بين
الله والملائكة، رغم أنه كان بين الملائكة حين أقروا كلهم بصوت واحد من قبل إن
"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك انت العليم الحكيم".
ابليس اعترض أولاً، فاعترف بجهله أمام ما يعلم الله بعدما أقام عليه الحجة،
لكنه عاد واعترض ثانية لأنه لا يريد السجود لآدم حتى ولو كان مقتنعاً بذلك...."استكبر".
ولكن حتى هنا، الله لم يعاقب ابليس!
إذا كان هنالك في بلادي من يدّعي اتباعه لما في القرآن، وايمانه بالله على
أساس ما في هذا الكتاب عن الله، فهذا هو ربّه. ربّ خلق كلّ ما هو موجود، ولم يكتف
بفرض رأيه على الملائكة وهي مخلوقاته، بل أقام عليها الحجة، وبالرغم من ذلك فعندما
رفض أحد مخلوقاته الامتثال لأمره لم يعاقبه. علماً بأنه قد فضّل آدم على هذه
الملائكة، على الأقل في "علم الأسماء".
فكيف برّبك هذا، تريد معاقبة الناس لاقتناعها أو ايمانها بما يغاير رأيك،
وما أنت سوى آدمي مخلوق؟
إذا كان هناك من أمر اسمه "دولة الإسلام"، دولة دين هذا ربّه لا
يمكن أن تكون إلا دولة العقل، ودولة الحوار والحجّة والمنطق. دولة سجدت ملائكتها
للإنسان، بعدما "أنبأها بأسمائها".
وما يمنعني في أن اؤمن بأنني سأحاور ربّي يوماً، كما قبل الله أن يحاور تلك
الملائكة؟
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ(30)وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(31)قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(33)}.
١٥/٠٤/٢٠١٢
تخيّل
المفكّر الشهيد مهدي عامل:
عاليا متعاليا،بالتأمل يحيا وللتأمل
هكذا كان الفكر على امتداد قرون خلت
في انفصام مع الواقع له الثبات في المطلق وللتاريخ المادي التغير والحركة
كان يحلو له بين حين وحين ان يطل من علياء تجريده على الواقع فيدينه تارة وغالبا يعذره
لكنه من خارج كان يحكم وما كان يقوى عليه
وكان حين يتوق إلى واقع آخر يحلم أو يتخيل
الرأس:
تخيل سلحفاة مرمية، عسجادة ركض بقاعة تمارين رياضية
تخيل طفل عنده موهبة شعرية بالفطرة بس لغة شعبه منقرضة
فمات شاب وانتهت جثته مكبوبة مصبوبة بباطون مدنية بيئية
بشي دولة خليجية
ملاحظة بيئية مش يعني حسن نية،
بيئية تجاوب مع ضغوط اميركية
تخيل صهيوني عم يخلع من ارضي الزيتونة
ومطلوب سامحه وخليه يعيش ايام هنية
تخيل اسماعيل هنية بقطاع غزة المحاصر
عميحاصر عقول الناس بملابس شرعية
ما تنغر بطن الصومالي من الجوع منفوخ
وما تنخدع بالبسمة من كتر المصايب حولي عم دوخ
مجتمع ماضي ممسوخ، مثقف عقله منسوخ
عايش عتمسيح الجوخ
والجوخ انكليزي مش صناعة وطنية لسانه
صانع الأفكار صار منظف قماش بيقضي عبقع العقل
وبيمحليه الوانه
تخيل تحول عغيرك
باحساسه تجول عكيفك
تعرف عضعفه تتعرف تدافع عنه بسيفك والقلم
بعلمك والعمل، بالحلم المرسوم من شظايا الأمل
تخيل مسؤول مسكين مدمن كوكايين
من لما علجامعة فات، بس حملوله صوره الناس
عأساس اللي خلف ما مات
لكل الحجاب علعيون مش عشعر السيدات
واللي مات فوت البلد بالحيط
قصقص بالخيال صور
ركب بالجمال عبر
تحول علايقاع سحر
وخلي الوجع ينبت شعر
يخلي القهر النايم فينا يتفجر ويطوف النهر
يللي بتفهم بالومى لفيت الأرض والسما
وشفت عيون كتير،
قلوب هجرها الضمير، ارواح طهرها العبير
شفت الغني والفقير ولقيت ان الأخير
أشرح للصدر، أوسع للقبر
كلنا ولاد التعتير بس بدك مين يعتبر
صور صور عم تلحقتي
وين ما رحت عم تسبقني
يللي ناس ومنكم ناس لا تفكير ولا احساس
معاونين الظالم بظلمه وزايدين علمهموم همه
كل قصر وله يومه، ما بتطول وعد رجال
صدق اللي قال من المحال يدوم الحال
بالقلب شوارعنا ورح تضل بالبال
شوارع مضواية ب400 ألف مراية
آية من آيات الله حكاية مكفاية
بين الأرض والسما
منه الأمن اللي بيحميني
أنا شعبي اللي بيحمي الحمى.
٠٤/٠٤/٢٠١٢
جنوني أبابيل
سألوني عن حيّ فيها الناس تلاقي فيه ميّ
لحسن الحظ العطش مصير كل حيّ
الصحرا بؤرة نور، العيون بتقرا بالقبور
الحق عالرمل محفور، فما بيناسبه الفيّ
أسلوب حار غراء، حرق حارة الإغراء
حرّ على جلدك غراء، غراق
بتقضي نصف العمر عمتعمر جدا
ونصف العمر التاني عمتفكه حجر حجر
نصف العقل ربّ ونصفه التاني رقص غجر
ومن ثم انفجر من الضجر
عني يقال، كل سنة بربح كاس اغرب سؤال
مشكوك بكوني من البشر، فشر
كنت غابة من زمان بس حرقولي كل الشجر
فاللي مات مات واللي هجر هجر
عزرائيل دق عبابي فلبست تيابي
واستقبلت الضيف بالحضن مش بالسيف
لما شافني قال: غلطان بالعنوان
هالانسان عايش برات الزمان، ميّت من زمان
قلتله ما زالك وصلت فوت لضيفك فنجان
بعمل قهوة عرب مع هال مهولة
ولعبنا دق طاولة وغلبته بسهولة
معه الحظ معي أفكار برمل الصحراء مجبولة
معقولة منقولة
سميني MC مينا أو موحد القطرين
سميني خط تالت أو مفكك الخطين
سميني المحرر بس مش اسلوب حطين
حرق كتب كتير قبل ما يموت صلاح الدين
سيف السلطة مش سلاح الدين
قاموا الملايين، صار بدنا نعمل ثورة
بس كتروا اللاعبين فصار فينا نعمل دورة
بيربح كاس دمنا العورة
اللي بحول الثورة عفورة
جبريلي عزرائيل وجنوني الطير الأبابيل
٠٢/٠١/٢٠١٢
من ثائر
عزيزي الوالد،
القتال مشتعل والاستشهاد وارد
بس الجو بارد
بتمنى تعذر يا بيي رداءة خطي
ايدي اليمين منصابة لاففها بحطة
حلفتك برحمة ستي ما تجيب سيرة لامي
بس يا بيي هون فهمت وحدة حبري ودمي
ولاختي قلها: ما تهتمي
خيك نسج من خط النار سجادة أفكار
رح ترقصي عليها بشي نهار قريب
لما نحرر بلدنا من الجهل المعيب
دم الشهداء لازم يغذي قلوب مش جيوب
نحن بدمنا عمنقاتل والكرامة حقنا
مش تستفيد البدلة وتقبض هيي حقنا
مش تحتى تطول اللحية وتحبسلنا جسمنا يستولي علينا يللي ما بيعرف يلفظلنا اسمنا
عشو اسمنا ثوار إذا كنا رح نساوم
عشو اسمنا أحرار إذا كلنا ما بنقاوم
هيدي رسالة من التحرير، من وديان كشمير
هيدي رسالة من نابلس، من الجوعان بطرابلس
هيدي رسالة من البصرة
من ريف حمص الحرة
من كل محمد الدرة والبوعزيزي
هيدي رسالة من بنغازي
من ملثم بسينا بفجر انبوب الغاز
من تونس، من مهد الثورة
من اثيوبية علدورة
من دوار الشهداء بالمنامة
من تلال النبطية
من رموش عين مقاوم ما بتنام
من سفوح جبال قنديل
من دم شهيد عميروي النيل
من محتلي وول ستريت، من محتجي اثينا
من دلال المغربي، من ورد نبت عكفنها
من ضواحي باريس والمخنوقين بعفنها
من متاهات الغربة والغرقانين بسفنها
كان حزننا يلفنا
والخوف في احشائنا يخنقنا
سليبا كان حقنا، فحق لنا أن ننتفض
فلتستفض أقلامنا، ولتستفق سيوفنا
فلتحترق جلودنا، لتندفق حروفنا
والبنادق
سماؤنا خنادق
محطات الموت غرف في فنادق
ترف للمنافق أن يكون الصوت صادق
شرف للمقاوم أن يكون الحكم مارق
أن يكون العدو في ظلامه غارق
عزيزي الوالد
اتمنى أن تبارك
ثورات جيلنا البطل
لقد شهدنا ما حصل، وما حصدنا من ثوراتكم
غير الكلام في الظلام
غير العتاب والنحيب
وما نفع اقوالنا وجسم معلق فوق الصليب؟
وقدسنا سليب
٢٢/١٢/٢٠١١
إلى الرفيقة الثائرة: الثورة تنتصر
2-الثورة تنتصر لأنها ثبتت عندما تحوّل وجه العدو.
3-الثورة تنتصر لأنها أسقطت الأقنعة، وأثبتت بالدليل القاطع نفاق أطراف عديدة، مثل العسكر والإخوان والسلفيين و"الممانعين".
4-الثورة تنتصر لأنها أطلقت حركة عالمية لن تنته في الأمد القريب.
5-الثورة تنتصر لأنها أنتجت وتنتج ثقافة فردية وجماعية جديدة، من الأخلاق إلى الفن ومن الفلسفة إلى الاجتماع.
6-الثورة تنتصر لأنها أعادت الفكر إلى الواقع بعد أن كان في أبراجه الخيالية.
7-الثورة تنتصر لأنها عرّفت شعوبنا على بعضها.
8-الثورة تنتصر لأنها حطمت كمّا هائلا من الصور النمطية.
9-الثورة تنتصر لأنها لم تتحول إلى مشروع سياسي بل أصبحت قوة يقظة طبيعية.
10-الثورة تنتصر لأنها لم تنتحر في صناديق الاقتراع.
11-الثورة تنتصر لأن كل عاصمة عربية ثائرة صارت لنا قدسا وسنأتيها طالبين الموت إن دعينا.
ستكتشفين يا رفيقتي الثائرة غدا أو بعد غد، أن اليأس عابر وأن قلبك يساع حزن الكون ولا يفارق الحياة. والحياة ثورة.
٢٦/١١/٢٠١١
لا أحبّ فيروز
أقول لنفسي إنني لم أكن على هذه الحال من قبل..ماذا جرى؟ كيف أصبحت هكذا؟...أبحث أبحث فأجد، لكن فهم السبب لا يبطل إلا العجب، أما الواقع فلا يكفي فهمه لإبطاله. وأنا أريد العودة إلى واقعي القديم، عندما كنت مثل أي لبناني طبيعي، في الغربة أو على أرض الوطن الغالي العزيز اللذيذ..عندما كنت...أحبّ فيروز.
يومها قررت أن أعالج إدماني، أن أواجهه. وبما أنني كنت حينها أعاقر مليار نوع من الإدمان، قررت أن أبدأ بالكلمات. الكلمات التي اعتدت على تكرار استخدامها دون غيرها، محوتها واحدة تلو الأخرى. لأنها لم تكن منّي، كانت مما دخل في أذني من قبل، عندما كنت لا أمتلك قدرة اختيار ما يدخل أذني وما أمنعه من الدخول. غريب التشابه بين الأفكار على عتبة أذن، والمصطفين على باب ناد ليلي للرقص، عليهم أن يجتازوا عتبة الغوريلا المنتفخة، حارس المعبد، من يمتلك سلطة الصدّ والقبول...
المهم...بعد الكلمات، جاء دور المفاهيم....هل أفهم من إعلانها حبها لي، ما أفهمه أنا عن معنى الحب، أو ما تفهمه حي؟ حتى الله، مفهوم. مصطلح. أعدت القراءة بالكلمات الجديدة، ففهمت أن المعاني احتمالات لا ثوابت...وحين تسقط المفاهيم، تسقط الانتماءات الضيقة..والانتماء ذوق. والذوق في كلّ شيء، من لون السماء في منتصف الخريف إلى شكل الرمز المقدس. مرورا بفيروز.
عندما تتعرى من الانتماءات، تبرد ذاتك، حتى ترتجف الأنا. ترتجف حتى يتوقف قلبها. عندها تخرج من الأنا، فتبني أول جسر مع الكلّ.
أريد أن أحب فيروز، ولكنّ هذا يعني أن أعود إلى الأنا، وأبحث في انتماءات خلعتها عن مبرّر لحبّ شيء، لم أذكر أنني اخترت يوماً أن أحبّه....
لا...سأبقى على حالي...وأصبر...والله مع الصابرين.
١١/١١/٢٠١١
حفلة في الحرم
الملايين الملايين. حول كعبة تعلوها مكبرات الصوت العملاقة. رداؤها الأسود تحوّل إلى شاشات عملاقة تبث صورا من شوارع غزة والقاهرة وبغداد وحمص ومراكش وتونس وبيروت والجزائر وكل بلاد العرب، للحشود المشاركة عبر البحار في هذا الحدث العملاق. حدث انتصار الثورة العربية. من القدس إلى مكة. كان آخر خط مستقيم في سقوط الأصنام. بعد إعلان الدولة الفلسطينية على كامل التراب من البحر إلى النهر، توجهت أمواج الثورة العاتية لتحتفل بانتصارها في مكة المحررة من كل من أسرها يوما.
الموسيقى هي العنوان. وفي يوم الاحتفال بالثورة، اجتمع من العرب أفضل الثائرين في موسيقاهم، بالإبداع والتفاعل. الحشود هنا من كل بقاع الأرض لاحياء انتصار الثورة التي أسقطت معها معابد الذهب. لا سلاح هنا. ولا بطاقات هوية. لباس الحفلة الأبيض. أفواج من الأجساد المتراقصة مع الايقاعات التي تخرج من المكبرات السوداء مزلزلة جدران الجبال والتلال المحيطة. الابتسامات، لا غيرها على الوجوه.
سمار البشرة العربية يطغى على خريطة النساء حول الكعبة العربية في هذه الليلة المكتملة البدر. عيون سوداء، ينحبس الضوء بين جفن الناظر إليها وعمقها. أجساد تخطف الموسيقى من أذنيك إلى تماوج تضاريسها. هذه بنت النوبة، وتلك بنت حلب. هذه بنت اليمن، وتلك بنت وهران. هذه بنت الحجاز وتلك بنت الكاف. هذه بنت نواكشوط وتلك بنت رام الله.
منام سعيد. حلم أبني من فوقه حياة.
٠٣/١١/٢٠١١
الأنبياء الغرباء
قطّع الصورة:
عبقرية الأنبياء في تفاهة "الكفار". محمد في قريش، عيسى في اليهود، موسى في دولة فرعون، نوح في قومه، لوط في قومه، وكلهم بلا استثناء، مرايا ما يحيط بهم.
لو لم تكن سدوم وعمورة ممتلئتين ب"الفواحش" و"الخطايا"، لما كان لوط في قومه نبيا.
لو لم يكن من طوفان ينتقم من "الذين عاثوا في الأرض فسادا"، لما كان نوح وسفينته.
لو لم يكن العرب قبائل تتناحر في ما بينها وتخدم أسيادها من روم وفرس، لو لم يكن سادة قريش من عبيد الدرهم والنبيذ والجنس، ظلّام الفقراء والمساكين، لما كان محمد موحّد العرب، تارك الخمرة، الزاهد في أمور الدنيا (إلا الجنس...معليش)، المنصف للفقراء، الذي حوّل عبداُ اسمه بلال إلى "صوت الأمة"، "مؤذن النبي".
كلهم، هؤلاء الأنبياء، كانوا يحسون بغربة في محيطهم، كلهم كانوا يتكلمون عن اقتراب "اليوم الآخر" و"نهاية العالم" والجنة والنار. منهم من أبدع في السياسة فقاد "أمته"، ومنهم من حمى نفسه بالعشق ف"تغلب على الموت"، أو تصالح مع الانتحار. منهم أيضا من لجأ إلى الطبيعة بنباتها وحيوانها، حتى ألفها وألفته، وأيضا من شغل جسده بالمرض فأراح عقله.
موسى، عيسى ومحمد. هؤلاء الثلاثة تجمعهم تجربة مشتركة، الوحدة في الصحراء. بل هي حتى نفس الصحراء إذا اخذنا في الاعتبار امتداد الجزيرة العربية.
الآن ألصق الأجزاء حسب خطوط المنطق:
لغربة الإنسان بين قومه، شرط لا تقوم من دونه: أن يكون قد شكّل لنفسه وعياً مختلفاّ عن الوعي الجماعي المحيط به. في حالة أصدقائنا الأنبياء، كان هذا الوعي مرتبطا دائما ببعد فلسفي، بإحساس دفين بتفاهة الحياة، بإحباط سحيق، حتى أن منهم من أمضى حياته باحثا عن الموت فقال خلال بحثه جملا لعوبا بقيت في ذاكرة الناس. في حالة البعض تحوّل اختلاف الوعي عن الجماعة إلى جنون العظمة أو ال"ميغالومانيا"، وفي بعض الأحيان في ظل المعادلة الاجتماعية المناسبة، تمكن هؤلاء من تجسيد جنونهم بالعظمة والوصول إلى سدة القيادة فعلا، فبدأ هناك الامتحان الحقيقي وأثبتت تركتهم السياسية أنها أغزر بكثير من موروثاتهم الأخلاقية.
المهمّ أن النبي غريب، وأنا أعرف كيف يكون الغرباء، خرجوا عن رؤية "الواقع الواحد"، وحرروا أنفسهم من المتعارف عليه، ليطلقوا العنان لسوريالية شاعرية فلسفية عاطفية تأسر العقول والألباب. أنا أعرف غرباء بين قومي، قد أخذتهم الغربة إلى واقع جديد ترفرف فيه أجنحة الملائكة وتشّع وجوه "الأتقياء" فيه بأنوار لا تراها سوى "عين المؤمن". هم يروها، وأنت لا تراها، "لأنك لم تدرك بعد"، ثم يبتسمون في وجهك ابتسامة بلهاء ويدعونك إلى "صدر الايمان". لا يفاجئني ذلك! أنا أعلم أن العقل قادر على خلق عوالم لا تنتهي، إذا ما قام بخطوة الخروج عن العالم المتعارف عليه. العباقرة بين هؤلاء الغرباء، من يمدون جسرا بين عوالم غربتهم والواقع كما يعيشه قومهم، فيفتحون أبوابا للمتألمين في الداخل المألوف. إذا كثر المتألمون، يصير الغريب نبيا.
لكن القوم لم ينسوا أنه غريب. صار نبيا، نعم. لكنه بقي غريبا. لذلك ومهما قلنا فيه المدائح والصلوات، وأخذنا عنه الكلام وأعدنا إليه السلام، فسنمرّغ أنفه في كلّ بقعة من قذارتنا، وسنزّج لحيته في كلّ غباء من جهالتنا، وسنرسم وجهه بالدماء على أنصال سيوف نقتل فيها بغير حقّ. كلّ نبيّ سنقدسه، سنمجده، سنخلع عنه صفات البشر...عندها نحنّطه، نعلقه تمثالا في الوزارات والدوائر الرسمية، نحرك شفتيه، ونقول ما نريد. نعلّق اسمه على الجدران، لنحكم باسمه. وهو...عاش غريبا ومات غريبا.
٣١/١٠/٢٠١١
عزيزتي المستترة...لا هروب منّي
عزيزتي المستترة،
ترى كيف ينسكب ستارك على كتفيك وأنت تمارسين طقوس اللذة وحيدة على سريرك الضيّق في غرفتك المظلمة؟ اعذري سؤالي ولكنني أريد أن اعرف: هل يحوّل غطاء الرأس خارطة اللذة في الجسد؟ حجابك على رأسك (وعراسي)، والثياب الفضفاضة تمحو في العين حدود جسدك وتتركها للمتخيلين بلا حدود. أود أن أقول إننا نحن الرجال ثلاثة أنواع في النظر إلى جسد الأنوثة. إما شاعر يعشق الجسد كيفما توارى ويراه بالعقل قبل العين، أو مستهلك يبحث عن الصورة لتخزينها في سجلات شبقه، يستعيدها عندما يخون الواقع حاجة تتحكم فيه، أو "غاض النظر" الذي يخاف جسد الأنثى، بل يخاف كلّ شيء.
من تفضلين؟ هل تريدين الهارب الخائف؟ أم الحالم الذي يتوضأ من نفسه ألف مرة ويخلع نعليه وجلده قبل الولوج في معبدك القدسي؟ أما المستهلك فلا أظنك تريدين منحه فرصة اختزالك في صورة، وإلا فلما تستترين؟ إذا أنت تستترين له، تحجبين نفسك عن عيونه المتسخة. تنصبينه نموذج الرجال وتفصلين ثوبك على قياس روحه النحيلة. كل ذلك وأنت كما أنت. والحال هي الحال.
ألا يرتعش قلبك وتتسارع الدماء في شرايينك عندما تبصرين أو تسمعين أو تلمسين أو تغازل أنفك عطور رجل يملأ أنوثتك، أو يفرغها من امتلاء يخنقها؟ لماذا تستترين إذن؟
ستقولين إنه أمر الله. سأجيبك: نقلها عن الله رجل، وفسّرها من بعده رجل، وأفتى بها من بعدهما رجل. رجال هم أو يسمون كذلك لأن لهم أفعى لا تهدأ بين الفخذين، وعدوا أنفسهم بحسناوات في الجنة. وأنت بماذا وعدوك؟
ستقولين: أتريدني أن أتشبه بالعاريات البائعات لأجسادهن الغارقات في الصورة والمغرقات فيها؟ سأجيبك: هنّ يسترن أرواحهن وأنت تسترين الجسد. هنّ يغرقن في الصورة وأنت في عدمها. ومقامات الأشياء في جواهر معانيها لا في أشكالها. وهل أنت بما في قلبك وعقلك ستكونين من تلك الفئة إذا سقط عنك التكليف الشرعي بالحجاب؟ إذا كان كذلك فاستتارك نفاق، وإن لم يكن كذلك فاستتارك تقليد وخضوع.
على كل حال، أنا شخصيا مثال على عدم جدوى ستارك. إن بقي ظاهرا منك رمش عين، فسأرسم من الرمش جسدا وروحا وقصصا لا تنتهي، أبطالها إحساسك وأفكارك وألوان خيالاتك. وإن لم يظهر منك غير خيارك الاتشاح بالسواد، فسأبدأ من هذا الخيار، لأبني فوقه أطيافا من ملاعب لذتك، وشوارع اختلاجاتك.
لا هروب منّي.
٣٠/١٠/٢٠١١
المتدينون في النار
الآدمي في دنياه توّاق إلى النار، لا يفلت من جاذبية الاحتراق والذوبان. فإن لم يجعل لنفسه مصباح نور لا يبلغ إلا بالكمال، فقدها قبل أوانها لأول شعلة تبدّت لناظريه. ومن هنا، ضرورة الشوق إلى الله، لا من منطلق استيفاء شروط العبادة في شكلها التشريعي كما يقول الفقهاء، ولا في منهج استنساب الإيمان الذي يسلكه المتكلمون، ولا حتى من مبدأ إدراك الحقائق بالبرهان كما يسعى الفلاسفة. لأن الشوق بذاته غاية ضامنة للعلوّ عن مكامن "الخطيئة" الوحيدة، خطيئة الاستغناء عن كليّة الحقّ، بجزئية النسبة إليه في صورة تجلّ محدودة بكونها صورة، مهما كانت حدود التجريد متسعة للصفات.
وفي سلوك المصباح الإلهي الكامل مقصدا، بلاء عظيم، أوله أنه لا يقوم إلا بالشوق وآخره أن المشتاق يدرك اختياره للشوق الدائم سبيلا إلى الخلاص. فإذا تكالبت عليه الذلّة والمسكنة، راوده عقله عن شوقه وزاد إلى لوعة شوقه علمه باختياره الشوق. لذلك، فإن الإسلام للحقيقة الإلهية، لا يقوم إذا كان مفهومها موضوع التسليم، نسبة لا كلّ، بل يقوم فقط إذا كان الإسلام لكليّة الكمال الإلهي، بمعنى أنه واق من الشكّ عبر إحالة خيار الشوق إلى بنية الوجود. فتتخذّ الذات الإلهية بذلك وظيفتين مكملتين لبعضهما بعضا: الكمال المنشود وقاية من انزلاق النفس إلى الحقائق الجزئية جوهرا، والسببية الكونية التي يضمن التسليم بأحقيتها موازنة الشكّ باليقين.
لذلك أقول أن التديّن كما نراه في مجتمعاتنا العربية، بأغلبيتها الساحقة، كفر عظيم. وكلمة الكفر في اللغة العربية، تعني "ستر النعمة"، والنعمة في معناها الكلّي هي الوجود، إذن فالكفر بالمعنى الكلّي هو ستر الوجود بكليته، أي الامتناع عن النظر إلى كل ما في الوجود، والاحتماء وراء حدود ما. في حالة التدّين الاجتماعي الذي نراه من حولنا، يكون الكفر في الاحتماء وراء حدود ما يسمى بالمحرمات والمحللات، والفتاوى والتشريعات، والخوف من النار والطمع في الجنة، لستر نعمة الوجود بحد ذاته عن العين والقلب والعقل، وستر النفس عن حقائق الوجود. الكفر ستر، هو الظلام إذن. وكل جهل ظلام. وكل امتناع عن السؤال جهل.
إذا المتدينون في النار.....هههههههههههههههههههههههههههه
الله والثورة والعميان
"اللهم أرني الأشياء كما هي عياناً" - دعاء للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي
خبرت القرآن حتى أحسست أن أحداً لم يقرأه قبلي، إلا كاتبه. أو لعلّني حمّلته ما رأى عقلي قبل اكتشافه. لن أدري، ولن يدري أحد. لأن العين أسيرة لونها، لأن الذي يأبى إلا أن يسأل ويسائل، غريب أينما حلّ. والثائر كذلك. فالثورة ليست حدثا سياسيا. الثورة بحث عن الرؤية خلف الحجب التي كنا نراها ونرضى بها خضوعا لحتمية الواقع، خوفا من استحالة المعرفة. وكلما أمطنا لثاما، واجهتنا مسافة جديدة، بين إحقاق الحقّ وبيننا.
شيخ قد استقى من مشرب حكمة الموحدين قال لي يوما إن الباطن عندما يدرَك، يصبح ظاهرا، ويستدعي باطنُه شوقَ المريد. هنا فهمت معنى حلم كان يراودني أرى فيه تشي غيفارا بالجبّة والدستار يفتل فتل دراويش المولوية. يد تصله بالسماء وأخرى بالتراب. عين يحطم فيها الله الموتَ، وأخرى يحطّم فيها الإنسان أصنام الجهالة والظلم. أما الموت ففي كل زاوية، وأما الأصنام فدمى روسية لا تنتهي.
"أشكال الحياة البدائية ما زالت موجودة على الأرض. هذا يعني أن جمود الحياة لم يكن مستحيلا. لكنها اختارت أن تمشي" - الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون
كلما كاد رأسي ينفجر، علمت أنها لحظة الرهان، رهان المغامر في المعرفة: إما الجنون الصريح، أو الانتقال إلى كون جديد على متن شرارة الفكرة. الجذع لا يلد شجرة إلا إذا تفرّع. لا يصبح واحدا إلا إذا تعدّد. خياري الوحيد: أن أكون. لذلك فإن عدوي ليس من يختلف عني، عدوّي من يعمل على بتر احتمالات تفرّعي، من يجبرني بالعنف على استنساخ أجوبته عن كل الأسئلة. معه المعركة مطلقة، لا شعر فيها ولا تردد فلسفي.
"أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض".. هو إذن عدوي بمطلق العداوة، فمسلمة وجوده الأولى نفي وجودي. "إما أنا أو الفوضى".. هو أيضا عدوي بمطلق العداوة، فركيزة استمراريته الأولى وأد احتمالاتي. لا أحلم بفلسطين جنة على الأرض، بل أريد خياراتها لها. ولا أمنّي النفس بأوطان الـ"يوتوبيا"، بل أمنيها بأوطان تمارس الشكّ سبيلا دائما للحق.
"ان أهل الحق موقنون أن الحق وحده يشفي وأنه يجب أن ينتقل من كيان إلى كيان بالشهادة، والشهادة تحديدا نقيض المساومة، لأن للشهادة مرجعية هي الحقيقة نفسها، في حين أن المساومة ترتيب بشري، عقلي للخروج بعلاقة ممكنة" - المطران جورج خضر
هي وهو. إذا كان ما يجمعهما بحث عن راحة في مؤسسة العلاقة، فمذكرة تفاهم لتبادل المصالح، ويبقى هو، وتبقى هي. أما إذا كان عهدهما شهادة بحقيقة المحبة، فلا آخر في المعادلة، ولا هي ولا هو.
المجتمع الذي خرج من حروب أبنائه، فتجاهل الشهادة بحقيقتها، إلى التفاوض على نوع الكذبة التي سنتفق على التسليم بها، ينتج رجالا لا يحلمون فلا يعشقون، ونساءً لا يُعشقن فلا يحلمن. يورثون أبناءهم صلافة القلب وإنكار الهوى، فيفتر كل شيء، ويصبح الوطن مصنع أفراد.
قاوم بالعشق إذن، أبقِ على وطني حيّا في جمرة قلبك، في كتلة حبّ تكبر حتى تصبح ثورة.
خبرت القرآن حتى أحسست أن أحداً لم يقرأه قبلي، إلا كاتبه. أو لعلّني حمّلته ما رأى عقلي قبل اكتشافه. لن أدري، ولن يدري أحد. لأن العين أسيرة لونها، لأن الذي يأبى إلا أن يسأل ويسائل، غريب أينما حلّ. والثائر كذلك. فالثورة ليست حدثا سياسيا. الثورة بحث عن الرؤية خلف الحجب التي كنا نراها ونرضى بها خضوعا لحتمية الواقع، خوفا من استحالة المعرفة. وكلما أمطنا لثاما، واجهتنا مسافة جديدة، بين إحقاق الحقّ وبيننا.
شيخ قد استقى من مشرب حكمة الموحدين قال لي يوما إن الباطن عندما يدرَك، يصبح ظاهرا، ويستدعي باطنُه شوقَ المريد. هنا فهمت معنى حلم كان يراودني أرى فيه تشي غيفارا بالجبّة والدستار يفتل فتل دراويش المولوية. يد تصله بالسماء وأخرى بالتراب. عين يحطم فيها الله الموتَ، وأخرى يحطّم فيها الإنسان أصنام الجهالة والظلم. أما الموت ففي كل زاوية، وأما الأصنام فدمى روسية لا تنتهي.
"أشكال الحياة البدائية ما زالت موجودة على الأرض. هذا يعني أن جمود الحياة لم يكن مستحيلا. لكنها اختارت أن تمشي" - الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون
كلما كاد رأسي ينفجر، علمت أنها لحظة الرهان، رهان المغامر في المعرفة: إما الجنون الصريح، أو الانتقال إلى كون جديد على متن شرارة الفكرة. الجذع لا يلد شجرة إلا إذا تفرّع. لا يصبح واحدا إلا إذا تعدّد. خياري الوحيد: أن أكون. لذلك فإن عدوي ليس من يختلف عني، عدوّي من يعمل على بتر احتمالات تفرّعي، من يجبرني بالعنف على استنساخ أجوبته عن كل الأسئلة. معه المعركة مطلقة، لا شعر فيها ولا تردد فلسفي.
"أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض".. هو إذن عدوي بمطلق العداوة، فمسلمة وجوده الأولى نفي وجودي. "إما أنا أو الفوضى".. هو أيضا عدوي بمطلق العداوة، فركيزة استمراريته الأولى وأد احتمالاتي. لا أحلم بفلسطين جنة على الأرض، بل أريد خياراتها لها. ولا أمنّي النفس بأوطان الـ"يوتوبيا"، بل أمنيها بأوطان تمارس الشكّ سبيلا دائما للحق.
"ان أهل الحق موقنون أن الحق وحده يشفي وأنه يجب أن ينتقل من كيان إلى كيان بالشهادة، والشهادة تحديدا نقيض المساومة، لأن للشهادة مرجعية هي الحقيقة نفسها، في حين أن المساومة ترتيب بشري، عقلي للخروج بعلاقة ممكنة" - المطران جورج خضر
هي وهو. إذا كان ما يجمعهما بحث عن راحة في مؤسسة العلاقة، فمذكرة تفاهم لتبادل المصالح، ويبقى هو، وتبقى هي. أما إذا كان عهدهما شهادة بحقيقة المحبة، فلا آخر في المعادلة، ولا هي ولا هو.
المجتمع الذي خرج من حروب أبنائه، فتجاهل الشهادة بحقيقتها، إلى التفاوض على نوع الكذبة التي سنتفق على التسليم بها، ينتج رجالا لا يحلمون فلا يعشقون، ونساءً لا يُعشقن فلا يحلمن. يورثون أبناءهم صلافة القلب وإنكار الهوى، فيفتر كل شيء، ويصبح الوطن مصنع أفراد.
قاوم بالعشق إذن، أبقِ على وطني حيّا في جمرة قلبك، في كتلة حبّ تكبر حتى تصبح ثورة.
٠٢/٠٩/٢٠١١
كفاح البحرينيين...تحت حصار الصمت
كتب مازن السيّد في "السفير":
في 17 شباط 2011 انطلقت «الثورة الليبية»، وفي 21 آب 2011 دخل الثوار العاصمة طرابلس، بغطاء عسكري من حلف شمال الأطلسي الذي جنّد الطائرات والسفن والأجهزة الاستخباراتية لمقارعة نظام معمر القذافي... في 14 شباط 2011 انطلقت «الثورة البحرينية»، على بعد كيلومترات قليلة من مقر الأسطول الأميركي الخامس، فقوبلت بدخول القوات السعودية إلى البلاد وسحق الاحتجاجات بأدوات أمنية وعسكرية واستخباراتية، لم توفر دور العبادة ولا الشيوخ والنساء.
بعد 6 أشهر، يقف البحرينيون على واقع أمني متدهور، يشهد مواجهات أمنية بين قوات النظام و«بلطجيته» من جهة، ومتظاهرين شبّان يصرّون على أحقية مطالبهم، من جهة ثانية. الملك حمد بن عيسى آل خليفة يعلن عفوه عن بعض المعتقلين، فيما يحاكم الأطباء والممرضين أمام القضاء «الأمني» لمشاركتهم بطريقة أو بأخرى في فعاليات الحراك الشعبي. النظام يتحدث عن نتائج «حوار» أعدّه و«إصلاحات» مقبلة، فيما ترفض المعارضة الحزبية شرعية هذا «الحوار» وتقاطع الانتخابات. همّشت القضية البحرينية توافقياً من قبل منابر الإعلام الكبرى، لكن صنّاع الثورة لم يرفعوا الراية البيضاء بعد.
خطاب الملك... والواقع
في كلمة ألقاها أمس الأول، لمناسبة العشر الأواخر من شهر رمضان قال الملك حمد إن «الالتقاء ونبذ الفرقة بين أبناء الشعب الواحد من العادات الحميدة التي ينبغي أن تستمر دائماً وأبداً». وأضاف «بودنا الإشادة بتوافقكم على مرئيات الحوار الوطني الذي يبشر بمستقبل زاهر لوطننا العزيز، وإن ما توافقتم عليه نحو مزيد من الإصلاح هو محل التقدير والترحيب والتأييد».
لكنّه من الواضح أن «الحوار» الذي أشار إليه الملك، لم ينتج من أية عملية توافقية بين المعارضة بشقيها الحزبي الممثّل والعفوي الشعبي، والسلطة. فجمعية «الوفاق» التي تشكل أكبر جمعية معارضة في البحرين، انسحبت من هذا «الحوار»، الذي «وصفته بمنتدى الحوار»، حسبما يقول المتحدث باسم «المعارضة البحرينية في الخارج» ابراهيم المدهون لـ«السفير»، وهو العضو السابق في شورى جمعية «الوفاق». ويوضح المدهون أن «الحوار لم يكن حوارا، فالمعارضة كانت ممثلة بأقل من 10 في المئة من المشاركين في هذا المنتدى».
ويأسف المدهون لأن «الملك لم يتعرض في خطابه إلى مشكلة البحرين»، في إشارة إلى تجاهل الملك للخلاف المتواصل حول قضايا أساسية. ويتابع قائلا إن «الحل في البحرين سياسي لا أمني، يكون باحترام نتائج استفتاء العام 2001 الذي جاءت نتائجه بنسبة 98.4 في المئة لمصلحة جعل الشعب مصدر السلطات، ومنحه حق اختيار الحكومة، وصلاحيات المراقبة والتشريع». كما يشير المدهون إلى قضايا التجنيس، والتقسيمات الانتخابية «التي تمثّل الدائرة الأولى حاليا بنائب واحد، فيما تمثّل الدائرة السادسة التي تتمتع بالحجم السكاني نفسه تقريبا بـ10 نواب».
وقال الملك أيضا «نود ان نؤكد اننا لا نتطلع الى محاكمة الجميع، فهناك من اتهموا بالإساءة لشخصنا ولرجال المملكة ونحن في هذا اليوم نصفح عنهم». وأضاف «ورغم اننا لا نرغب في التدخل في سير العدالة وتطبيق القانون إلا اننا نؤكد ان جميع قضايا المدنيين سيصدر الحكم النهائي فيها في محاكم مدنية».
لكن، قبل ساعات من خطاب الملك، كانت محكمة أمنية خاصة، منبثقة عن حالة الطوارئ التي قد رفعت رسميا منذ أشهر، تواصل مقاضاة 20 طبيبا وممرضا بتهم الارتباط بالاحتجاجات المعارضة. وأجلت المحكمة البت في القضية مرة أخرى إلى جلسة في 7 أيلول المقبل، حيث ستبدأ بعد أشهر طويلة بالاستماع إلى شهود الدفاع. كما تشير صحيفة «هافينغتون بوست» الأميركية إلى غموض في استخدام الملك مصطلح «القضايا المدنية» التي وعد بنقل الحكم النهائي فيها إلى المحاكم المدنية، إذ «ليس واضحا ما هي القضايا التي ستبقى ضمن صلاحيات محاكم الطوارئ الأمنية».
ولعلّ أبرز ما يتجاهله الملك في حديثه عن «التوافق» و«الالتقاء»، هو الواقع الأمني على الأرض الذي يصفه المدهون بـ«المزري»، فيما تعتبر ناشطة بحرينية في حديث مع «السفير» أنه «أسوأ من واقع التسعينيات»، مشيرة إلى «حواجز أمنية مكثفة في كل المناطق، تتعرض بالإهانات إلى المواطنين والشيعة منهم خاصة».
والواقع أن شباب «الثورة البحرينية» ما زالوا على اختيارهم الشارع ساحة أساسية للدفع بمطالبهم بالتظاهر السلمي. وفي ظل تعتيم إعلامي مطبق على مجريات الامور، توثّق الشرائط المصورة على شبكة الانترنت لمواجهات أمنية بين هؤلاء الشباب والقوات الأمنية يؤازرها «البلطجية»، تستخدم فيها قنابل الغاز المسيل للدموع، وبنادق «الشوزن» الفتاكة، والهراوات والعصي. وشهدت مناطق عديدة يوم أمس مواجهات كهذه، بحسب مصادر عديدة، أكدت تعرض مسيرة حاشدة في جزيرة سترة لقمع القوى الأمنية وقنابل الغاز، إضافة إلى اشتباكات مماثلة في كرانه وسماهيج والدير والمصلى والدراز وغيرها. ووثّقت صور عديدة أيضا لاستعانة النظام بمرتزقة أو «بلطجية» بلباس مدنيّ يحملون الهراوات والعصي ويعتدون بها على المتظاهرين المعارضين.
ويدعو «ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير» مساء اليوم إلى «أكبر وأوسع حضور في فعالية حق العودة إلى ميدان الشهداء»، التي من المفترض أن تنطلق من قرى الدية والسنابس وكرباباد.
المؤشرات الخارجية
يقول المدهون لـ«السفير» إن «مطالب المعارضة البحرينية هي بحت وطنية. لكنها تقع ضحية التجاذبات الإقليمية، خاصة على مستوى المواجهة الأميركية - الايرانية»، فيما تشير معطيات إقليمية عديدة إلى وجود نوع من توافق ضمني على استباحة حقوق الشعب البحريني والسكوت عن الانتهاكات التي ترتكب بحقه.
فإضافة إلى الدول الخليجية التي ساندت النظام البحريني بشكل متوقع منذ اندلاع الاحتجاجات، وأرسلت قوات «درع الجزيرة» الخليجية لسحق المعارضين أمنيا وعسكريا، أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم منذ دخول القوات الخليجية إلى الأراضي البحرينية «شرعية وجود قوات درع الجزيرة فى البحرين» وقال «ان هذه القوات ليست قوات احتلال بل تأتي في إطار مشروع مشيرا الى أن الاتفاقيات التي أسست درع الجزيرة والاتفاق المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي تشكل الأساس القانوني لوجودها فى البحرين». يذكر أن الملك البحريني أجرى اتصالا أمس بالرئيس السوري بشار الأسد تم خلاله «استعراض الاصلاحات التي تعتزم الجمهورية العربية السورية إطلاقها في إطار مبادرتها للإصلاح والتطوير»، بحسب وكالة الأنباء البحرينية الرسمية «بنا». كما تجدر الإشارة إلى أن دمشق رأت في الموقف البحريني خلال الاجتماع الأخير لوزراء خارجية الجامعة العربية السبت الماضي «موقفا معتدلا» مقارنة بالموقفين القطري والسعودي.
حتى أن الموقف الايراني من أحداث البحرين شهد انكفاء في التواتر وتراجعا في اللهجة، من دعوة الرياض إلى إخراج قواتها من البحرين و«الاتعاظ» من تجربة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في الكويت، إلى تساؤل الرئيس محمود احمدي نجاد في مقابلته مع قناة «المنار»: «ما كانت الحاجة للتدخل السعودي في هذا الامر»؟ داعيا «المملكة السعودية الى اعتبار الشعب البحريني شعبا شقيقا»، ومعتبرا «الحكومة في البحرين والشعب يجب ان يجلسوا بعضهم مع بعض، فتقرير المصير والحرية والعدالة أمر طبيعي في دول العالم... فليتباحثوا في ما بينهم ويتعايشوا مع الشعب ولا يسمحوا لأميركا بأن تتدخل». وتجاهل إمام جمعة طهران حجة الإسلام سيد احمد خاتمي الأسبوع الماضي خلال حديثه عن الثورات العربية، ذكر البحرين، بحسب نص الخطبة الذي أوردته وكالة «مهر» الايرانية للانباء، وأورد فيه ذكر الثورات المصرية والليبية واليمنية والتونسية.
أما موقف أميركا التي تؤوي البحرين أسطولها الخامس، فكان مناوراً بين إظهاره تحفظاً و«أسفاً» على ممارسات القمع ضد الشعب البحريني، ودعمه الضمني للنظام، عبر التغطية على هذه الممارسات، رغم التقارير العديدة الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان وحقوق العمال وغيرها. ولم تتوقف واشنطن مرة عن تأكيد «صداقتها» مع النظام البحريني.
في المقابل، وفي نبأ نقلته وكالة «بلومبرغ» الاميركية إضافة إلى وسائل إعلام روسية عديدة، أشارت جهات روسية وبحرينية إلى صفقات سلاح تعقدها روسيا للمرة الاولى مع النظام البحريني، وتتضمن بنادق رشاشة من نوع «ايه كاي 103» وذخائر بعشرات ملايين الدولارات، كما أكد مصدر قريب من وزارة الدفاع الروسية. وقال المتحدث باسم الحكومة البحرينية عبد العزيز بن مبارك آل خليفة لصحيفة «موسكو تايمز» إن «العلاقة بين روسيا والبحرين تزداد قوة. نتطلع إلى التعاون مع روسيا في التجارة والخدمات التقنية. وأحد مجالات التعاون هو في الأسلحة الخفيفة». ومن جهته أكد المدير التنفيذي لشركة «روسوبورون اكسبورت» الروسية الحكومية لتجارة الأسلحة اناتولي ايسايكين أن البحرين أصبحت زبونا جديدا للسلاح الروسي. يذكر أن فرنسا وبريطانيا علقتا عقود التسليح مع البحرين بعد اندلاع الاحتجاجات في شباط الماضي، وسقوط أكثر من 30 قتيلا مدنيا من المتظاهرين، لكن الموقف الاوروبي بقي عند مستوى «الأسف» للعنف دون أية ضغوط ملموسة على النظام.
الشعب البحريني يواصل نضاله نحو تحقيق مطالبه بالتمثيل السياسي العادل والمساواة الاجتماعية، ويدفع الثمن غاليا بتواطؤ الصمت الذي يدحض ادعاء «المجتمع الدولي» دعمه للشعوب المقهورة. شاشة التلفاز ضاقت بالبحرينيين، لكن ضيق قلوبهم بالقمع أكبر...
٢٥/٠٨/٢٠١١
مغالطة الزجاج المكسور: الحرب لإنقاذ الاقتصاد
كتب مازن السيّد في "السفير":
في كتاب صدر في العام 1946 بعنوان "الاقتصاد في درس واحد"، يفسر الباحث الاقتصادي الاميركي هنري هازليت ما يسمى ب"مغالطة الزجاج المكسور". ويوضح الكاتب أنه إذا قام أحدهم برمي حجر على زجاج واجهة محل تجاري، سيظن الناس أن في ذلك منفعة اقتصادية ما، كون صاحب المحل سيضطر إلى شراء زجاج جديد ب250 دولارا مما سيعطي دفعا لصانع الزجاج الذي لولا الحادثة لما كان باع منتجاته. لكن هازليت يوضح المغالطة في هذه القراءة، مفسرا أن صاحب المحل التجاري كان في البداية يمتلك واجهة سليمة و250 دولارا كان بإمكانه استثمارها في أي قطاع آخر من اختياره، أما بعد الحادث فلا يمتلك سوى زجاج واجهة المحل.
"مغالطة الزجاج المكسور" هذه لا تأتي من موقع أخلاقي عشوائي. فللوصول إلى خلاصة بأن انهيار الزجاج كان مفيدا للدورة الاقتصادية، كان من الضروري التركيز على مصلحة بائع الزجاج في الدرجة الاولى. بمعنى آخر، إذا كان بائع الزجاج هو من يقيّم الفائدة الاقتصادية للاعتداء على الواجهة، فمن الطبيعي أن يرى فيه منفعة كونه المستفيد الأول من ذلك.
هكذا تبدو المعادلة الاقتصادية الحربية في ليبيا اليوم من المنظار الغربي، لأنه من ضروب السذاجة القصوى الافتراض أن أي نوع من المثالية الاخلاقية يقف وراء العملية العسكرية للحلف الأطلسي. ألم يكن رئيس الوزراء الايطالي سلفيو برلوسكوني قبل أشهر معدودة، يحسب بين أعزّ أصدقاء معمر القذافي، حتى وصلت به الأمور إلى تقبيل يده خلال اجتماع لمجموعة الثماني في روما؟ والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ألم يكن هو عرّاب عودة ليبيا إلى "أحضان المجتمع الدولي" خلال العقد الماضي، حتى أرسل زوجته حينها إلى ليبيا للتفاوض على مصير الممرضات البلغاريات، وعقود ال"رافال"؟ ألم تكن اوروبا تعلم حينها أن القذافي "ملك الملوك"، ديكتاتور دمويّ يسحق شعبه؟
إذن، هي البراغماتية البحتة التي يجب أن تكون في الميزان عند دراسة المصلحة الغربية والأوروبية تحديدا في ليبيا: الاقتصاد والسلطة السياسية. لكن السلطة السياسية نفسها كعنصر أساسي في هذا السياق، تعيد المراقب إلى خانة الاقتصاد، فشعبية ساركوزي في بلاده (او باراك اوباما)، على سبيل المثال لا الحصر، ترتبط ارتباطا جوهريا بقدرته على مواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة. وبالعودة إلى هازليت، يؤدي صانع الحروب الغربي، أي الحلف الأطلسي، دور المعتدي على الواجهة الزجاجية، وهو المرسل مباشرة من عواصم الأزمة الاقتصادية في اوروبا وأميركا، التي تعاني من أزمة خانقة في "تجارة الزجاج" التي تمتهنها. "بائع الزجاج" الأوروبي هو المستفيد والمعتدي، وهو الذي يؤكد "منافع" الاعتداء.
يشكل النفط بالتأكيد عنصرا بارزا في معادلة العائد الاقتصادي الغربي، مقابل الاستثمار الحربي. ومهما كانت طبيعة الحكومة المقبلة في ليبيا، فستكون محتاجة وبسرعة إلى سيولة كبيرة، وستضطر لذلك إلى ضخ أكبر كميات ممكنة من النفط لاستثمار عائداته في عملية "إعادة الإعمار". سيزيد ذلك العرض العالمي في السوق النفطية ويضغط على الأسعار انخفاضا. حتى أننا رأينا الأسواق تستبق ذلك منذ الإثنين الماضي مع دخول الثوار إلى طرابلس تحت غطاء "الناتو".
لكن الأمور تتعدى ذلك إلى عمق النشاط الاقتصادي العالمي الذي بات متعثرا نتيجة أزمة الديون المنتشرة من أثينا إلى واشنطن. الثمن الحقيقي الذي سيتقاضاه الاقتصاد النيوليبرالي الغربي كعائدات استثماره بضع مليارات الدولارات (مليار من أميركا و300 مليون بريطانيا وما يعادل ذلك من فرنسا) في الجهد الحربي، هو سوق اقتصادية جديدة حيوية على بعد كيلومترات قليلة إلى جنوب اوروبا. فبين العامين 2003 و2008 شهد شمال افريقيا نموا للناتج المحلي بمعدل 5 في المئة سنويا كما يؤكد تقرير لمصرف "دويتشبنك" الألماني.
ولأن ليبيا لا تعدّ أكثر من 6.4 ملايين نسمة، فبإمكانها في المرحلة المقبلة أن تبقي على مستويات ضريبية منخفضة، بفضل العائدات النفطية. ومع دخول المؤسسات المالية العالمية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي الذي أعلن في يوم دخول الثوار طرابلس، أنه سيقدم "مساعدات" مالية للحكومة الليبية المقبلة، ستدخل ليبيا في نمط الاستهلاك النيوليبرالي، وتساهم في إعادة إطلاق حلقة الانتاج الغربية التي تضيق أمامها منافذ تصريف الانتاج، في ظل معدلات نمو غربية ضئيلة أو سلبية، وفي مواجهة عملاق التصدير الصيني.
6 ملايين ليبي لا يشكلون بطبيعة الحال قصارى الطموح الأوروبي. لكننا إذا أضفنا إليهم التونسيين والمصريين الذين تشهد بلادهم حاليا محاولات مماثلة للتطبيع الاقتصادي الكامل مع النظام المالي العالمي، فسيحصل الغرب على سوق من 100 مليون مستهلك، تتراوح أعمار حوالي 20 في المئة منهم بين 15 و24 عاما. ويقول الصحافي البريطاني ماثيو لين "إذا فتحت منطقة شمال افريقيا أبوابها، فستخلق سوقا واسعة جديدة، ومصدرا ضخما لليد العاملة (الرخيصة) على أبواب اوروبا".
ويرى المستثمرون كذلك فرصا في قطاع المصارف والتأمين في ليبيا الذي تمتع بإقبال من جانب مستثمرين أجانب لفترة وجيزة بعد رفع عقوبات غربية عن ليبيا في العام 2004. واشترى بنك "بي ان بي باريبا" الفرنسي حصة في أحد أكبر البنوك الليبية بعد
تخفيف القواعد المنظمة للبنوك، لكن امتداد اليد الاوروبية في سوق المال الليبية تراجع بعد خطوات سلبية ازاءها من قبل نظام القذافي انطلاقا من العام 2009-2010.
يذكر أيضا أن المصرف المركزي الليبي هو آخر 4 مصارف مركزية في العالم غير مخصخصة، بمعنى أنها تحافظ على استقلالية في إصدار المال والتحكم بمعدلات التضخم وحجم الكتل النقدية. وقد أعلن معارضو بنغازي غداة انطلاق انتفاضتهم تأسيس مصرف مركزي جديد في بنغازي، سيرث عن سلفه 143.8 طنّا من الذهب، في حين تصل أسعار الذهب إلى مستويات قياسية مع حوالي 1800 دولار للأونصة، ومن المرجح أن ينصاع بعكس سلفه ل"حتميات" النظام المالي العالمي.
دخول ثوار ليبيا إلى طرابلس وضع حدّا للانزلاق المتواصل لسوق الأسهم الأوروبية، كما أشاح نظر التقارير الإعلامية عن ازمات الديون، ومن المعلوم تأثير هذه التقارير على معنويات المداولين في الأسواق. لكن المصلحة الاقتصادية الاوروبية في ليبيا تتعدى الحركة الآنية لسوق الأسهم، إلى محاولات الخروج من ازمة النظام النيوليبرالي الذي لم يعدّ يستطيع التعويل على نموه الداخلي لمعالجة ديونه، وأصبح في أمس الحاجة لأسواق جديدة.
"بائع الزجاج" يتحكم بالمنابر الإعلامية الكبرى، فتغطي على جرائم ال"ناتو" في ليبيا وعلى طموحاته العسكرية الساعية وراء تأمين طموحات دوله الاقتصادية، لتركز على الصورة الثورية الداخلية، التي لا جدال في أحقية قيامها في وجه ديكتاتور كالقذافي.
لو كان هذا الإعلام موجودا أيام "الثورة العربية الكبرى" إبان الحرب العالمية الأولى، لكان ركّز أيضا على انتصارات الثوار في معاركهم مع الجيوش العثمانية، وتناسى الإشارة إلى أن جيوش اوروبا سبقتهم إلى دمشق...
١٥/٠٨/٢٠١١
هذا موقفي
عجيب أمر الذين يريدون أن يدافعوا عن ممارسات النظام السوري، بحجة أن كل ما يحدث في سوريا هو نتيجة مؤامرة خليجية صهيونية أميركية، تماما كما هو غريب أمر الذين يهتفون لحياة الملك السعودي عبد الله بعد خطابه "التاريخي" الأخير، ويسوّقون لدور خليجي في دعم "حرية" الشعب السوري.
الواقع أنّه منذ انطلاق الحراك السوري، أعربت الدول الخليجية كلها عن تضامنها مع النظام في وجه "المؤامرة على سوريا". ففي 28 آذار الماضي:
وفي 2 نيسان:
"حزب الله" من جهته اعتبر أن ما يحدث في سوريا مؤامرة، فيما أن ما يحدث في البحرين هو مواجهة فعلية لنظام "مقفّل". وقال الأمين العام حسن نصر الله الآتي:
إن دمشق هي "النظام العربي المقاوم والممانع الوحيد،" على حد تعبيره، وعدد ما وصفها بـ"إصلاحات" أقدم عليها الرئيس السوري، بشار الأسد، ومنها إطلاق آليات الحوار وإصدار قرارات العفو العام، وطالب الشعب السوري بأخذ ذلك بعين الاعتبار لأن النظام بحسب تعبيره "أسقط أخطر المشاريع الإسرائيلية والأمريكية." وذهب الأمين العام لحزب الله أبعد من ذلك إلى حد اتهام من قال إنهم يتورطون بـ"التواطؤ على إسقاط النظام السوري الممانع" بتقديم "خدمة جليلة لإسرائيل وأميركا." وبخلاف موقفه من سوريا ونظامها، كرر نصرالله هجومه على النظام البحريني الذي اتهمه بـ"جر الناس للسجون والحكم على المعارضين بالسجن المؤبد" واعتبر أن الأفق في البحرين بات "مسدوداً والأمور لا يمكن أن تستمر،" وفق تعبيره.
غريب...لأنني حسبما أذكر، بل حسبما هو موثّق ومؤكد، كان النظام الممانع المقاوم في سوريا قد أعلن دعمه لتدخل قوات "درع الجزيرة" السعودية والخليجية في البحرين لسحق الثورة البحرينية:
أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم شرعية تواجد قوات درع الجزيرة فى البحرين وقال ان هذه القوات ليست قوات احتلال وإنما تأتي في إطار مشروع مشيرا الى أن الاتفاقيات التي أسست درع الجزيرة والاتفاق المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي تشكل الأساس القانوني لتواجداها فى البحرين. كما أكد المعلم في مقابلة مع جريدة "الشرق الأوسط" اليوم أن موافقة مملكة البحرين نفسها على دخول هذه القوات تشكل الأساس الشرعي لتواجدها. وحول احتمال أن يكون لهذا الموقف انعكاس سلبي على علاقة بلاده مع إيران، لا سيما أن الأخيرة تعارض دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين، قال وزير الخارجية السوري: نحن جزء من الأمة العربية ونعمل من أجل علاقات أفضل مع العالم العربي الأمر الذي يتطلب منا التعبير بوضوح عن الموقف السوري. ووصف المعلم العلاقات السورية السعودية بـالاستراتيجية، مؤكدا على أن التفاهم القائم بين الرئيس السورى بشار الأسد وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، يشكل حجر الزاوية في استقرار المنطقة.
إذن النظام السوري دعم احتلال القوات الخليجية للبحرين، وسحق الثورة البحرينية ضد النظام الملكي الأسري الطائفي، وأنظمة الخليج أكدت دعمها للنظام السوري في وجه "المتآمرين". و"حزب الله" الذي يدافع عن النظام السوري، (على الأقل إعلاميا، إذا لم نرد أن نصدق التقارير عن مساندته له أمنيا)، يدافع أيضا عن الثورة البحرينية التي دعم النظام السوري سحقها!!!
كل هذا ليس عبثيا، بل هو دليل على تحوّل سياسات هذه الدول والمنظمات، بشكل يخدم مصالحها المحلية والاقليمية والعالمية، بما لا يمتّ بأي صلة بمصالح الشعوب وحريتها ونضالها في وجه القهر والحرمان والاحتلال. وإلا كيف يكون "حزب الله" نصيرا حقيقيا لقضية الشعب البحريني، إذا كان حليفه الأساسي في المنطقة قد اعلن بالفم الملآن ودون أي التباس دعمه لسحق ثورة البحرين؟ وكيف يكون الملك السعودي أو الأمير القطري داعمين لقضية السوريين، إذا كانا قد وصفا الثورة السورية بأنها مؤامرة تهدف إلى زعزعة امن سوريا واستقرارها؟
كما يتحفك كثيرون بنظريات عن أنّ الحراك في سوريا ليس شعبيا، وأنه محدود بطبقات معينة من المجتمع. ما المقصود بهذه الحجة بالضبط؟
أنّ هناك نسبة غير قليلة من السوريين يحميها النظام وتستفيد منه؟ هذا أكيد ولا نقاش فيه، والحال مشابه في كل الانظمة القمعية التي تخلق علاقة منفعة مع فئات معينة من المجتمع.
أن هناك نسبة غير قليلة من السوريين تريد "الاستقرار والأمن" حتى لو كانت تعارض النظام؟ هذا أكيد أيضا لأن الطبيعة البشرية لفئات كبيرة من المجتمع (أرباب الأسر، التجّار، بورجوازيو الأندية المغلقة والgauche caviar...) لا تريد خسارة امتيازات الوضع القائم حتى لو كانت قليلة. أضف إلى ذلك، أنّ النظام كما كل الأنظمة العربية أنتج خلال عقود الظلام الطويلة، حالة فوضى اجتماعية كامنة تنتظر فرضتها لتخرج ما في داخلها من أحقاد وعنف.
أن هناك نسبة غير قليلة من السوريين لا تريد أن تموت برصاص قناص أو تحت جنازير دبابة؟ وهل هناك من يحبّ لنفسه أو لأخيه ذلك؟ الاستثناء هو الذي يخرج ايمانا بقضية ما، قابلا للتضحية. والاستثناء أقلية، خاصة في وجه نظام استخدم أدوات امنية وعسكرية ضد المتظاهرين ندر استخدامها في دول أخرى كتونس ومصر، ولم يصعّد "المجتمع الدولي" موقفه منه كما حصل في تلك البلدان.
النظام السوري وكل الأنظمة الديكتاتورية العربية، قدمت نفسها منذ السبعينيات حتى اليوم على أنها تحمي دولها من شيئين: التطرف الإسلامي، والعدو الصهيوني. والعنوانان كاذبان. أما التطرف الإسلامي فقد غذته بطريقتين مختلفتين: الأولى عبر قمعه وبالتالي إعطائه مزيدا من المساحة لجذب التعاطف الشعبي، والثانية عبر تعتيم العقل العربي الذي لم ينتج أية فكرة اجتماعية حقيقية قد تجذب الطبقات الشعبية إليها لتبتعد عن التشدد الديني والطائفية. وأما العدو الصهيوني، فالجولان محتل، وفلسطين محتلة، وشبعا محتلة. والطيران الاسرائيلي يصول ويجول في الاجواء السورية اللبنانية، ونحن "نحتفظ بحق الرد". كما أن النظام السوري لا يرفض التعامل مع أنظمة الخيانة العلنية للقضية في السعودية وقطر وغيرها، حين تنص على ذلك "الضرورات الاستراتيجية السياسية"، ومعادلات ال"سين سين". بل إن الفلسطينيين أنفسهم يدفعون ثمن القمع الأمني اليوم في سوريا، في اللاذقية وغيرها.
لا إطار فكري للثورة العربية اليوم، لا في سوريا ولا في غيرها. لذلك على الذي يعتبر نفسه مثقفا ومفكرا، أن يسعى إلى خلق هذا الإطار ليقوم بدوره في فعل التغيير، بموازاة الفعل الجسدي الذي يقوم به أبناء ملح الأرض في الشوارع العربية، بدل أن يضيع وقته في التنظير حول "شعبية" الحراك، أو "الفوضى" المقبلة، أو ايجابيات "النظام القوي"، و"سوريا الممانعة". إذا لم تقوموا بذلك، ستتحملون أنتم مسؤولية الفوضى والتطرف والطائفية امام التاريخ، لأنكم خيرتم شعوبكم بينها وبين انظمة القمع والظلام.
١٤/٠٨/٢٠١١
New track قطعتي الجديدة: كفاني
كلمات القطعة:
(مقتطف من خطاب التنحي لجمال عبد الناصر في 1967)
الحرية بدل ما نعيشها بنلحنها والحجار اللي لازم تسلحنا بندخنها
بنعفنها روسنا بنكفنها فلسطين بألوان خلافاتنا بنلونها
تتلويلنا قلوبنا وعقولنا بالخزانة مش مهم كرامتنا طالما المعدة مليانة
كفاني وكفاك مس بحقوق انساني لأن زيتون القدس محفور بالأرز اللبناني
متعارف على أنه الجاهل منو عارف انه الحق جارف اكتر من الكسارات والمصارف
وأنا شايف انه الكلمة ازمة مش عارف حالي بدي اكتب عن سعر البترول ولا كيلو اللحمة
بحرر فلسطين ولا معدتي من التخمة؟ بحرق اليهود ولا الفنادق الفخمة؟
يضوي راسي نور أو العن العتمة زور؟ محتار بزور القبور ولا بسب القصور
بلعن نجمة داوود ولا اللي عكتافه نسور، مش مغفور للمخفر يكون الجنون محظور
ومحضور حج البيت إذا السعود مأجور
إذا سعادة اليمن السعيد محبوسة بالقات متل الدين ما صار محبوس بمعمول العيد
متل ما صار التوحيد اسم حركة بمدينة متروكة علبركة ببلاد أكبر راس فيها دركي
شو بكي واشتاق ناس من ورا اسلاك مشبكة، ملبكة الأمة متل تمثيل نادين لبكي
شو حبك مع أهل المريخ الغالي يبعتولنا رسول فلكي اسمه مايك فغالي
غرقونا بمعلومات مش اكيدة بأخبار مش مفيدة
بس العلم أقرب الي من وريدي، وما بتفهم هلكلام غير القلوب الوحيدة العنيدة
عإيدي يمكن ما تشوف غير حبر بس الورقة أوسع من جسمي إذا صار قبر
لما البلاد صارت صحرا وصارت قلوب الناس حجار
خلقت كلماتنا من الوجع تتشعل العتمة نار، ثوار بقلب المدن
حاملين عكفوفنا دمنا، دفنا حلم جنة عدن،
وما في غير إمنا بتلمنا
مسلم نفسك للخوف هيك بدن ياك، دولارات بجيابك وجنازير عايديك
خليك مغمض عينيك ناطر الشيك من البيك، اوعا تثور عمحيطك ولو عالسرقة رباك
وليه شو بيك؟ نحنا صغار وهني كبار كتير: رح يبيعونا الهوا وعم تحكيني بالتغيير؟
إذا الهوا صار ملكية رح اتنفس من كلماتي، حول الموت قلم خط منه آياتي
حياتي وكيف بدها تكون حياتي إذا ما لحقت أحلامي وعشت خياراتي
بدن خاف من حالي، من النار اللي جواتي
الآتي أعظم والبطيخ علسكين، الملايين الجوعانين هودي كلن اخواتي
مش هينة تكون لبناني بركي أهين علسوداني؟ بركي عطلتك الجايي بتقضيها بالتبانة؟
مع عميل CIA تحت غطاء عمل إنساني، فهموك انه خيارك يا صهيوني يا ايراني
لأ أنا عربي ولبناني وما بيسمحلي عنفواني عالأرض غير عنواني: كفاني كفاني
خففت ورق اللف واشتريت ورق بيحمل دم قلمي
اخترق بيوت الناس وجعي، احترق بكاز الكاس فزعي
فظعي يا دولتنا قد ما فيكي فينا فظعي
وانت يا أمي بدل الحليب ثورة رضعي ولادك
وودعي
الراس
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
Blog Archive
-
◄
2011
(17)
- ◄ كانون الأول (1)
- ◄ تشرين الثاني (3)
- ◄ تشرين الأول (3)










